تسجيل الدخول

الصحافي لعسيبي يحكي آخر لحظاته مع الناقد الراحل مصطفى المسناوي في القاهرة

2015-11-19T01:04:55+00:00
2015-11-19T01:08:16+00:00
غير مصنف
الصحافي لعسيبي يحكي آخر لحظاته مع الناقد الراحل مصطفى المسناوي في القاهرة
12240040_10153751027764169_8769567841031682896_n

جريدة راضي نيوز

نشر الصحافي لحسن لعسيبي تدوينة على حائطه الفيسبوكي،يحكي فيها آخر لحظاته مع الناقد السينمائي الراحل مصطفى لمسناوي الذي توفي أمس الثلاثاء في القاهرة،و تقول التدوينة :

“بعض الكتابة صراخ.و بعض الصراخ محاولة للتخلص من الألم.لا أريد أن أكتب هنا عن سيرة قصة علاقتي بأخي و صديقي مصطفى المسناوي التي تمتد على 27 سنة.بل أريد أن أكتب عن آخر لحظاتي معه هو الذي توفي بين يدي.كنا وصلنا القاهرة معا،رفقة الصديق و الزميل أحمد الدافري و أيضا الصديقين شعيب حليفي و إدريس علوش اللذين كانا في الطريق إلى لقاء أكاديمي بمكتبة الإسكندرية،ليلة الأحد في التاسعة ليلا بالتوقيت المحلي،و بلغنا فندق ماريوت الزمالك في الحادية عشرة ليلا،و كالعادة بيننا أنا و إياه،بمجرد أن وضعنا حقائبنا نزلنا نجوس في ليل قاهرة المعز.أخذتنا الطريق إلى ساحة طلعت حرب،كما تعودنا معا دوما،و ولجنا إلى ناد للصحفيين و الكتاب و الفنانين المصريين،علنا نجد صحبة من صداقاتنا المصرية.كان الوقت متأخرا،و القاهرة على غير عادتها فارغة تماما.لكن فجأة و دخل الصديق إبراهيم داوود،مدير تحرير القسم الثقافي و الفكري بيومية الأهرام المصرية،و طال بنا المقام حتى الواحدة ليلا.تواعدنا على زيارته بمكتبه بالأهرام و أيضا لنلتقي الشاعر عبد المعطي حجازي زوال الثلاثاء.خرجنا أنا و مصطفى و قلت له أن نقطع المسافة من ساحة طلعت حرب حتى الزمالك مشيا على الأقدام.كانت الشوارع فارغة تماما،عبرنا من جهة ميدان التحرير و صعدنا من جهة ماسبيرو (مقر التلفزيون المصري و الإذاعات المصرية) ثم مقر وزارة الخارجية.كان مطر خفيف يسقط،و مررنا طيلة الطريق من جهة كورنيش وادي النيل.و كل الطريق كالعادة ضحك و قفشات و نقاش سياسي حول مصر و حول المغرب و حول الجزائر.في الغد كان اللقاء مع الصحب من كل العالم العربي بمقر دار الأوبرا المصرية بالهناجر،و الصورة هنا تجمعه زوال الإثنين مع الأصدقاء الفلسطيني رياض أبو عواد،الصحفي الفني و الثقافي بمكتب وكالة الأنباء الفرنسية بالقاهرة،و الناقد اللبناني الحجة إبراهيم العريس من يومية “الحياة” اللندنية،ثم صديقنا العراقي انتشال التميمي،الناقد السينمائي و المسؤول ضمن مشروع سند لدعم السينما بأبوظبي،و صديق عراقي آخر نلتقيه لأول مرة آت من لندن.

12247007_10153751028989169_594753361154519377_n
في المساء،كان اللقاء مع الصديقين المصريين مصطفى الكيلاني و أحمد فايق.فهما من أكثر أصدقائنا الحميمين بالقاهرة،و كلاهما من خيرة الجيل الجديد من الصحفيين المصريين.كالعادة،كلم أخونا فايق زوجته الجزائرية و قال لها أن لا تنتظره لأنه مع مصطفى و لحسن،و أخدنا رفقة صديقه الحميم الحسين بسيارته إلى منطقة المهندسين لتناول العشاء في مطعم لبناني جميل إسمه “كاراكاس”.كانت ليلة ثانية ممتعة،ضحكنا فيها حتى دمعت أعيننا،و تناقشنا سينما و سياسة و صحافة و عدنا في منتصف الليل إلى الفندق.كان الصديق المخرج المصري الكبير أحمد مجدي علي،قد حجزنا في اتصال هاتفي للعشاء معه الثلاثاء،بينما كان لنا موعد لقاء مع صديق مغربي كبير،مسؤول ديبلوماسي بسفارة المغرب بالقاهرة هو الرجل الفاضل الخلوق عبد الصمد المنقاشي،صباح الثلاثاء.
في ذلك الثلاثاء،رن هاتف غرفتي بفندق ماريوت في السادسة و النصف صباحا.كان صوت مصطفى متعبا،و قال لي إنه يشعر بمغص شديد في بطنه.توجهت إليه في غرفته،و قلت له أن نطلب طبيب الفندق،فأخبرني أنه طلبه هو أيضا.كان يدرع الغرفة جيئة و ذهابا من شدة الألم.قال لي “ربما أثقلت في الأكل البارحة”.قلت له قد لا تكون المعدة،بل ربما القلب،فهل تناولت أدويتك اليومية المعتادة،أجابني أنها تناولها قبل نومه.كان الألم يزداد،حين وصل الطبيب الذي سأله عن ما أكله،لكنني أخبرته أنه مريض بالقلب و سبق أن أجرى عملية جراحية منذ سنتين و شكي يذهب في اتجاه آخر،و ألححت عليه في طلب سيارة إسعاف لنقله إلى أقرب مستشفى.اتصل بمساعد له و طلب منه إحضارة آلة رسم القلب و أن يتصل بسيارة إسعاف مستشفى الصفاء.بعد 10 دقائق خرجت ورقة تخطيط القلب تؤكد أنها أزمة قلبية حادة.كان حينها مصطفى قد بدأ يستشعر ألما في صدره و يعرق.مددناه على السرير ليرتاح و طلب في أن نسرع بنقله لأقرب مستشفى و ليس بالضرورة مستشفى الصفاء،فكان القرار أن نأخذه للمستشفى الأمريكي قرب نادي الأهلي بالزمالك لقربه من الفندق.بدأ حينها يتألم و ينطق بالشهادتين،مازحته أن زمن الشهادة لا يزال بعيدا.لم يجبني بل واصل نطق الشهادتين،أدركت أن ألمه فظيع.نزلت بسرعة إلى بهو الفندق أستعجل وصول سيارة الإسعاف،و صعدت مع الطبيب الثاني الذي حضر و ممرضين و جمهرة من مسؤولي الفندق.حين وصلنا الغرفة كان قد بدأ يدخل في غيبوبة،حملوه بسرعة إلى سيارة الإسعاف،و ركبت معه.توقف عن نطق الشهادتين و دخل في شبه غيبوبة مع بضع حشرجات صغيرة.كنت أصرخ في سائق السيارة أن يسرع أكثر. في منتصف الطريق قال لي الطبيب المرافق لقد انتقل صديقك إلى رحمة الله.
صمتت.فقط صمتت،و بقيت أردد بعد لحظة ذهول “لا حول و لا قوة إلا بالله”،منذ أقل من ساعة كنا نتكلم معا و الآن هو صامت إلى الأبد.أدخلناه ثلاجة المستشفى،و اتصلت بابنه أنس في أبوظبي لأنه لم تكن لي القدرة للإتصال بزوجته الأستاذة ليلى جمال لأخبرها.كان أنس صلبا،فعلا رجل من ظهر رجل.ثم اتصلت بمصادري بالسفارة المغربية،ثم أخبرت صديقنا مصطفى الكيلاني الذي طلبت منه إخبار إدارة المهرجان،فيما هاتف صديقنا أحمد فايق لا يرد.و انطلق موال طويل مع البيروقراطية الإدارية المصرية،امتد حتى منتصف الليل.كان فريق كامل من مسؤولي السفارة المغربية إلى جانبي بالفندق و أنا ممنون لهم عاليا و قاموا بجهد خرافي.مثلما بقي إلى جانبي الصديق أحمد فايق طيلة اليوم و كذا الصديق الكيلاني،و في لحظات مماثلة يظهر فعلا معدن الرجال،و كانوا فعلا رجالا.
كان الزميل أحمد الدافري مكلفا بلوجيستيك آخر تواصلي و كان فعلا سندا كبيرا.
هل مات مصطفى المسناوي؟.ما أمكر الحياة و ما أخبث الموت.منذ 48 ساعة لم أنم.منذ 48 ساعة و أنا تائه روحيا.هل حقا مات مصطفى بين يدي؟ما هذا المزاح السمج للموت؟.هل سأعود لوحدي في الطائرة؟.كم أنسى أن أجمل الفرسان ذاك الذي يسقط في ساحة معركة فروسيته.مصطفى فارس مغربي في الفكر و الأدب و فن السينما،و مكر القدر شاء أن يسقط في محفل كبير للسينما بالقاهرة.

رابط مختصر