تسجيل الدخول

ترينكا Tringa عنوان مسرح محترف بالريف

2015-05-18T16:12:37+00:00
2015-06-20T17:18:50+00:00
غير مصنف
ترينكا Tringa عنوان مسرح محترف بالريف
11269622_818696368221492_215129134_n

بقلم: الباحث في علوم الإعلام عبد الحميد العزوزي.

ترينكا.. عمل مسرحي متفرد، وتجربة تأسيسية لمسرح أمازيغي محترف بالريف.. بحق يعتبر أول تجربة مسرحية تخرج عن نطاق المألوف في المسرح الأمازيغي الريفي(مسرح الدراما و البكائيات)،و بالتالي فهو لبنة أساسية و كبيرة للإنطلاقة نحو مسرح وطني و عالمي ريفي متقن.كيف؟

ترينكا.. إبداع مسرحي قائم على ثلاثية الأبعاد،يستمد القصة من تراث الريف الشفهي المنسي و الضارب في عمق التاريخ دون أن يسقط في الماضوية السلفية،و لا إجترار الحاضر بطرق تقليدية.

إستطاع مؤلف المسرحية المتميز، سعيد أبرنوص(الذئب المنفرد)،أن يعطينا مؤلفا مغايرا(فشكل)،سعيدأبرنوص، السيناريست هذا،يباغثنا في كل مرة بقريحة إبداعية فذة ومتوازنة،و بجرأة قل نظيرها لدى أبرز المؤلفين الشباب من جيله اليوم بالمغرب،دون الاصطدام بالذهنية الجمعية الجاهزة و المائلة إلى التحفظ في الريف.

إستطاع الذئب المنفرد إذن،أن يعطي لنا نصا مسرحيا إجتماعيا ينبني على تقاطع المصالح الذاتية و ما ينتج عن ذلك في المجتمع الريفي و المغربي عموما اليوم من إستعمال كل الطرق المقبولة و الماكرة أحيانا للإستيلاء و الاستحواذ و فرض الذات،و ذلك بتخيله لثلاث شخصيات نسوية و مثلها ذكورية.

ترك الذئب،لمسته الساحرة في النص،تراه في كل الجزئيات يظهر ويختفي،يستفز الذاكرة ويدعونا لاستحضار قيمنا الجميلة و الأصيلة،و يصفع حاضرنا بخلخلة قوالبنا الجاهزة المتحفظة في الحب و العشق و الجنس دون أن يسقط في السفاهة،ينيرنا و نحن نتابع العرض بطريقة سلسة وذكية.

و على الخشبة “يتقمص الممثلون المشاركون في العمل أدوار أطفال يلعبون اللعبة المعروفة بالريف،”ثيخامين”أو “ثخبوشين”:( لعبة أطفال ريفية قديمة)، ينسجون قصة من خيالهم،تتشابك فيها الوقائع خصوصا بعد وفاة(أم كمال)، و زواج أبيه(حمادي)من فتاة جميلة تسمى(كريمة)،و التي تقوم بمحاولة الإستحواذ على كل ثرواته،حيث تحاول إقناع حمادي(زوجها)لتوقيع وكالة تتولى بموجبها تسيير أعماله والسطو على ممتلكاته،و تستعين (كريمة)من أجل تنفيذ مخططاتها بعشيقها (زهير)،الذي أقنعته بلعب دور طبيب العائلة حتى تزداد حالة زوجها الصحية سوءا من أجل رفع دعوى للحجز على أملاكه،كما تحاول تزويج أختها (لويزة)ب(كمال) إبن (حمادي)،و ستلعب الخادمة (زاينا)دورا رئيسيا في سير مجرى الأحداث،إذ ستتمكن من كشف مخططات كريمة لزوجها و ابنه”.

هذا العمل تبنته فرقة ثفسوين للمسرح الأمازيغي بالحسيمة نالت بموجبه دعم وزارة الثقافة في إطار مشروع توطين الفرق المسرحية من بين تسعة أعمال فقط على المستوى الوطني التي إستطاعت أن تفرض قوة الفكرة على لجنة الدعم وليس العكس.

إستطاعت فرقة ثفسوين،أن تجلب مخرجا شابا لإخراج العمل،من الرباط خريج المعهد العالي للمسرح و التنشيط أمين غوادة،و الذي بصم على أعمال مسرحية ناجحة،إستطاع المخرج رغم أن النص بأمازيغية الريف،(ساعده على ذلك الذئب المنفرد)،خلال مدة شهر و نصف من التداريب الشاقة بمعدل عشر ساعات يوميا،أن يشتغل مع ممثلين لأول مرة يصعدون خشبة المسرح المحترف باستثناء الممثل أحمد السمار(كمال).

فعلا على مستوى الإخراج،أبان أمين غوادة على قدرة كبيرة في تشخيص العرض من خلال تفاني و انضباط الممثلين و الممثلات،و تقمصهم لأدوارهم على نحو محترف أداء و إيحاء،و قد ساعده في ذلك وجود قاعة جميلة للتداريب بدار الثقافة الأمير مولاي الحسن بالحسيمة في إطار مشروع توطين الفرق المسرحية لوزارة الثقافة.

الملاحظة الوحيدة التي قد لا ينتبه إليها الكثيرون هو الإستعانة بأرانب حية في قفص طيلة مدة العرض خلال دور (كمال)،و كان بإمكان المخرج إستبدالها بأرانب بلاستيكية مصنعة لتؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها الأرانب الحية.

كل هذا العمل لم يكن ليكتمل لولا تصور محترف و مبدع لسينوغرافية العمل لأحد ألمع الأسماء في السينوغرافية بالمغرب،المبدع عبد المجيد الهواس رئيس شعبة السينوغرافية بالمعهد العالي للمسرح و التنشيط بالرباط،و كذلك دقة الإنارة وتماهيها المطلق مع جزئيات العمل،حيث جعل الهواس من منصة دار الثقافة بالحسيمة منصة تضاهي أكبر المسارح بفلسفته في التأثيث و الإنارة بما يوافق و الفضاء المتخيل لمضمون النص،و هو ما ساهم في الأداء العالي للاعبين(الممثلات و الممثلين)أيضا.

على مستوى الإدارة،إستطاع مدير فرقة ثفسوين للمسرح الأمازيغي الصارم فؤاد البنوضي بيقظته ونباهته(و دمه الألماني البارد)،أن يدير العمل بشكل دقيق و حثيث و محترم، بحيث سهر على توفير كل الظروف في هاته التجربة، استطاع أن يكون مديرا  و منظما و صحافيا و مسؤولا في كل الجزئيات نال إحترام كل المتتبعين و الضيوف و المشاركين منذ أزيد من شهرين،و لعل شهادة الدكتور خالد أمين أحد أبرز الأسماء المسرحية بالمغرب خير تشريف، و كذلك السينوغرافي الأستاد عبد المجيد الهواس و المخرج أمين غوادة بالإضافة للمتتبعين و المهتمين.
على مستوى التنظيم(خلال العرض الثاني)إستطاعت  فرقة ثفسوين أن تعطي الدليل القاطع على حسن التنظيم بحيث عرفت دار الثقافة توافد جمهور نوعي وبشكل منظم وحضاري دون أي ملاحظة تذكر في انظباطه ورغبتة وتفاعله مع مجريات المسرحية بتصفيقات حارة وبشكل حضاري جميل،تناغم الجمهور إذن مع مشاهد العرض دون ضجيج بطريقة تسمح للجميع بمعايشة تفاصيل القصة،و قد ساهم ميكانيزم أداء ثمن تذكرة الدخول(20 درهم)في هذا التنظيم المحكم الذي جنب تجليات الفوضى و التشويش المعتادة في مثل هاته المناسبات.

على مستوى التشخيص،لا يمكن لمتتبع للعرض إلا أن ينوه بالأداء المحترف للممثلات و الممثلين الشباب على الخشبة،بدء ب(حمادي)،(كريمة)،(زاينة)،(كمال)،(لويزة)،و( زهير).هذا الأداء المشرف مؤشر على صحة و قوة المسرح بالحسيمة،و كذلك على وجود الطاقات الكبيرة بالمدينة التي لا تنقصها إلا الأفكار الكبيرة و الجيدة لدى القائمين على الشأن المسرحي بالحسيمة.

على مستوى الموسيقى و الجنيريك،ضرب الفنان اللامع بالريف ناصر أكراف بقوة في هذا العمل،حيث ألف مقاطع موسيقية تدعونا لاستحضار قيمنا الجميلة بنغمات لا يتمنى المشاهد معها أن تنتهي.جنريك العمل كان استثنائيا بكل المقاييس ومتناغما بشكل لا متناهي مع مضمون النص.
نجحت مسرحية ترينكا،خلال عرضها الثاني بالحسيمة إذن،إدارة و اخراجا و سينوغرافية و أداء و رسالة قبل كل شيء.هذا النجاح أضحى قدوة لباقي الفرق المسرحية بالحسيمة،و دعوة لها و لكل المعنيين بالمسرح و السينما و الثقافة و الفن عموما بالريف لأن يعيدوا النظر في طرق الإشتغال،و أن يبتكروا قوة الأفكار بدل أفكار القوة.

ومن شأن نجاح فرقة ثفسوين في هذا المشروع أن يفرض على أعضاء لجنة الدعم بوزارة الثقافة إعادة النظر في معايير الدعم،و أن يبتعدوا على نظام الكوطا حسب الدكتور خالد أمين،و الخروج من ثقافة المركز.هذا النجاح أيضا عرى ثنائية المركز و الهامش،بل وجد تحديا للفرق المركزية التي فازت بدعم وزارة الثقافية في أن تعد أعمالا من هذا المستوى الذي أعدته به فرقة ثفسوين للمسرح الأمازيغي بالريف.

هنيئا لفرقة ثفسوين على العمل،هنيئا لكل الطاقم المشتغل،هنيئا للريف بهذا التتويج و هنيئا للحركة المسرحية بالمغرب على العموم.

ننتظر العمل الثاني السنة المقبلة و الثالث في السنة ما بعدها دائما حسب بنود مشروع توطين الفرقة المسرحية بالريف.

شكرا بعنف على متعة الفرجة.

11297785_818696161554846_246326179_n 11304354_818696134888182_1236090900_n
11304354_818696134888182_1236090900_n
11311712_818696184888177_1989729623_n
رابط مختصر