تسجيل الدخول

هل يمس إجراء “نشر أسماء المشتبه فيهم “بقرينة البراءة؟قراءة في مضمون بلاغي اللجنة الحكومية المكلفة بتتبع الانتخابات

غير مصنف
هل يمس إجراء “نشر أسماء المشتبه فيهم “بقرينة البراءة؟قراءة في مضمون بلاغي اللجنة الحكومية المكلفة بتتبع الانتخابات
news_1408041788

بقلم ذ. هشام ملاطيقاض،مستشار وزير العدل و الحريات في السياسة الجنائية

على إثر البلاغين اللذين نشرتهما اللجنة الحكومية المكلفة بتتبع الانتخابات التي يترأسها كل من وزير الداخلية ووزير العدل والحريات بتاريخ 04 و07 أكتوبر 2015، واللذين أطلعت من خلالهما الرأي العام على التوالي ب”أنه قد بلغ إلى علمها أن بعض المنتخبين برسم انتخابات مجلس المستشارين يشتبه في ارتكابهم لجرائم انتخابية تتعلق باستعمال المال لاستمالة الناخبين،و أن القضاء سيقرر طبقا للقوانين في الحالات المعنية“(بلاغ 04 أكتوبر2015)و”أن عدد الأشخاص الذين تمت متابعتهم أمام قضاء التحقيق بمختلف محاكم المملكة لحدود يوم 7 أكتوبر الجاري،26شخصا،من بينهم 14 مترشحا لهذه الانتخابات،أعلن عن فوز 10 منهم بمقاعد في مجلس المستشارين“( بلاغ 07 أكتوبر 2015) معززة البلاغ الثاني بقائمة أسماء الأشخاص المشتبه فيهم؛

أثير على الساحة الوطنية القانونية و الحقوقية و الإعلامية نقاش هام حول مدى شرعية مضمون البلاغين المذكورين خاصة ما يتعلق بنشر أسماء المشتبه فيهم،و قد تجاذب هذا النقاش رأيان أحدهما يرى أن الإجراء المذكور فاقد للشرعية لصدوره عن جهة غير مختصة و ماسا بمبدأ قرينة البراءة التي كفلها الدستور في نطاق واسع باعتبارها أهم ضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة و كذا باعتباره خرقا لمبدأ سرية البحث و التحقيق،في حين يرى الرأي الثاني أن هذا النشر يعد مبادرة جريئة و قرار شجاع ينسجم مع مبادئ الدستور و يتماشى مع ما أرسته الممارسات الديمقراطية و لا يخالف أحكام القانون.

و في إطار المساهمة في النقاش الدائر حول مدى شرعية الإجراء المذكور ارتأيت بسط وجهة نظري المتواضعة في الموضوع دفاعا عن قانونية مضمون البلاغين لعدة مسببات سأحاول توضيحها وفق التفصيل المبين أسفله،آملا أن تغني النقاش المذكور و تسهم في توضيح الأمر و رفع اللبس عنه.

  • أولا: مضمون البلاغين ليس فيه أي مساس بقرينة البراءة:

تعتبر قرينة البراءة من أهم ضمانات المحاكمة العادلة التي كرستها المواثيق الدولية و العديد من دساتير و تشريعات العالم باعتبارها الدرع الذي يحمي الإنسان من كل اعتداء على حقوقه ويدفع عنه كل إجراء قد يمس بإحدى حرياته المصانة قانونا خلال كافة مراحل المحاكمة،و يقصد بها قانونا افتراض البراءة كأصل في الإنسان و كضمانة تلازمه خلال كافة مراحل التقاضي ابتداء من مرحلة البحث و التحري إلى حين صدور حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به أي حكم نهائي غير قابل لأي طريق من طرق الطعن سواء كانت عادية أو غير عادية.

و يترتب عن قرينة البراءة مجموعة من الآثار القانونية من أهمها تفسير الشك لصالح المتهم و إلقاء عبء الإثبات على سلطة الاتهام و اعتبار الإجراءات المقيدة للحرية استثناء لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة ….،و يعتبر كل مساس بها بمثابة خرق لسلطان قرينة البراءة.

فهل حصل خرق لقرينة البراءة في نشر بلاغي اللجنة الحكومية المكلفة بتتبع الانتخابات؟

لقد أكدت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في عدة مناسبات إثر تفسيرها لمقتضيات المادة 6 من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان المتعلقة بقرينة البراءة،على وجوب عدم تجاوز التصريحات و الإعلانات لعتبة معينة :

 ” ” …à ne pas dépasser a cet égard un certain seuil،حيث ذهبت في هذا الصدد إلى أن المس بقرينة البراءة يتحقق في حالة ما إذا كانت التصريحات قد خلفت إحساسا بكون الشخص مذنبا و دفعت بالرأي العام إلى اعتباره مذنبا :

La présomption d’innocence se trouve atteinte par des déclarations ou des décisions qui reflètent le sentiment que la personne et coupable, qui incitent le public à croire en sa culpabilité ou qui préjugent de l’appréciation des faits par le juge compètent“.

(Y.B et autres contre Turquie arrêt de 28 octobre 2004, §43)

كما نبهت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان إلى ضرورة الانتباه إلى المصطلحات المستعملة في التصريحات حفاظا على قرينة البراءة:

     ” A cet égard, il convient de souligner l’importance du choix des termes utilises ainsi que des sens des déclarations litigieuses”.

(Dakatras contre Lituanie arrêt de 10 octobre 2000, §44)

و قد ذهبت نفس المحكمة إلى التمييز بين التصريحات التي تولد الإحساس بكون الشخص مذنبا و بين تلك التي تصف حالة الاشتباه معتبرة الأولى ماسة بقرينة البراءة على خلاف التصريحات الثانية:

  ” Toutefois, une distinction doit être faite entre les décisions ou les déclarations qui reflètent le sentiment que la personne concernée et coupable et celles qui se bornent àdécrire un état de suspicion. Les premièresviolent la présomption d’innocence. Tandis que les secondes ont été à plusieurs reprises considérées comme conformes àl’espritde l’article 6 de la convention”.

(Nolkenbockhoff contre Allemagne arrêt de 25aout1987, série n 123, et Marziano contre Italie, n 45313/99, §3&,28 novembre 2002 )

و بالرجوع إلى مضمن البلاغين الصادرين عن اللجنة الحكومية المكلفة بتتبع الانتخابات يتضح أنها اختارت العبارات المستعملة بدقة من خلال اعتماد عبارات قانونية و عامة لا تولد إحساسا لدى المتلقي بكون أصحاب الأسماء المنشورة مذنبين،إذ ورد في البلاغ الأول عبارة “الاشتباه” و هو مصطلح قانوني يطلق على وضعية الشخص موضوع بحث أو تحري لم يتقرر بعد متابعته،و هو الأمر الذي ينطبق قانونا مع وضعية الأشخاص المشتبه في استعمالهم المال لاستمالة الناخبين بتاريخ نشر البلاغ الأول 04 أكتوبر2015،علما أنه لم ترد أي إشارة إلى أسماء المشتبه فيهم بمضمن البلاغ الأول.

في حين استعملت في البلاغ الثاني الصادر بتاريخ 07 أكتوبر 2015 عبارة “المتابعة” أمام قضاء التحقيق،كتعبير عن إجراء إحالة المشتبه فيهم أمام قضاة التحقيق في إطار ما يسمى قانونا ب ” تقديم ملتمس أو مطالبة بإجراء التحقيق“،و هو إجراء تلتمس من خلاله النيابة العامة من قاضي التحقيق إجراء بحث في القضية وفق أحكام و ضوابط محددة قانونا في الكتاب الثالث من قانون المسطرة الجنائية.علما أن القانون المذكور يطلق في بعض الأحيان مصطلح المتابعة على طلب إجراء التحقيق كما هو وارد في المادة 6 من قانون المسطرة الجنائية التي نصت في فقرتها الثانية على أنه : “يقصد بإجراءات المتابعة في مفهوم هذه المادة،كل إجراء يترتب عنه رفع الدعوى العمومية إلى هيئة التحقيق  أو هيئة الحكم“.

هذا،و قد صدر البلاغ الثاني المتضمن لأسماء الأشخاص المعنيين بعد تقديم المطالبة بإجراء تحقيق في حقهم،على خلاف ما تم تداوله في بعض النقاشات.

و في جميع الأحوال فإن العبارات الواردة في البلاغين لا تمس بقرينة البراءة ما دامت قد اكتفت بالإشارة إلى الوضعية الجنائية للأشخاص المنشورة أسماؤهم سواء كمشتبه فيهم في مرحلة أولى أو متهمين في مرحلة ثانية و لم تتضمن أي عبارات تفيد تقييم الاتهام الموجه إليهم أو وصفهم بالمذنبين،و في كلتا الحالتين أي الاشتباه أو الاتهام فإنه من المعلوم أن القانون يعتبر المشتبه فيه أو المتهم بريئا إلى حين ثبوت إدانته بحكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به.و هي قاعدة قانونية لا يخفى كنهها على أي شخص.

  • ثانيا : مضمون البلاغين ليس فيه أي خرق لمبدأ سرية البحث و التحقيق:
  • تخضع مرحلتا البحث و التحقيق لمبدأ أساسي يقوم على وجوب احترام السرية تحت طائلة العقوبات المقررة قانونا،تأسيسا على الفصل 15 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص أحكامه على ما يلي :

” تكون المسطرة التي تجرى أثناء البحث و التحقيق سرية.

كل شخص يساهم في إجراء هذه المسطرة ملزم بكتمان السر المهني ضمن الشروط و تحت طائلة العقوبات المقررة في القانون الجنائي.”

و بخصوص النقاش الدائر حول مدى خرق مضمن البلاغين الصادرين عن اللجنة الحكومية لتتبع الانتخابات لمبدأ سرية البحث و التحقيق،فيمكن القول إن البلاغين ليس فيهما أي خرق لمبدأ سرية البحث و التحقيق ما دام قد اقتصر مضمونهما على إطلاع الرأي العام على معطيات عامة حول إحدى القضايا التي تسترعي اهتمامه و سير الأبحاث بشأنها و أسماء الأشخاص المشتبه فيهم،و هي مجرد عناصر موضوعية مستخلصة من الإجراءات دون الدخول في تقييم الاتهام الموجه إلى المشتبه فيهم و كذا الكشف عن تفاصيل القضية.

و هو الاتجاه الذي كرسته العديد من الديمقراطيات العريقة في تشريعاتها الوطنية،من خلال إبلاغ الرأي العام بمعطيات عامة حول بعض الجرائم و سير الأبحاث بشأنها تفاديا لانتشار معلومات غير كاملة أو غير صحيحة أو لوضع حد للإخلال بالنظام العام و ذلك عن طريق الإخبار بعناصر موضوعية مستخلصة من الإجراءات على أن لا تتضمن أي تقييم للاتهامات المتمسك بها ضد الأشخاص المتورطين،كما هو الحال بالنسبة للمشرع الفرنسي في القانون رقم 516/ 2000 الصادر بتاريخ 15 يونيو 2000،الذي أضاف فقرة إلى مقتضيات المادة 11 من قانون المسطرة الجنائية تجيز لوكيل الجمهورية إطلاع الرأي العام حول مجريات قضية ما دون تقييم الاتهامات :

«  Toutefois, afin d’éviter la propagation d’informations parcellaires ou inexactes ou pour mettre fin à un trouble à l’ordre public, le procureur de la république peut d’office et à la demande de la juridiction d’instruction ou des parties, rendre publics des éléments objectifs tirés de la procédure ne comportant appréciation sur le bien-fondé des charges retenues contre les personnes mise en cause ».

  • ثالثا: البلاغان صادران عن جهة مختصة:

فيما يخص ادعاء صدور المعلومات المضمنة بالبلاغين المشار إليهما أعلاه عن جهة غير مختصة تفتقد من الناحية القانونية الصلاحية في ذلك،يمكن القول على أن اللجنة الحكومية المكلفة بتتبع الانتخابات تملك صلاحية إطلاع الرأي العام بالمعلومات اللازمة حول الجرائم الانتخابية.

و تستمد اللجنة هذه الصلاحية من جهة أولى بالنظر إلى تشكيلتها من خلال ترؤس وزير العدل و الحريات إلى جانب وزير الداخلية لها،حيث أن قبعة وزير العدل و الحريات داخل اللجنة بصفته رئيسا للنيابة العامة تشفع له لإطلاع الرأي العام على ما تعرفه العملية الانتخابية من سلوكات أو تصرفات تمس بسلامتها و نزاهتها و كذا على الإجراءات المتخذة للتصدي لها،و ذلك في إطار احترام الضوابط القانونية التي تفرضها قرينة البراءة و سرية البحث و التحقيق.

و من جهة ثانية،فإن لجنة الانتخابات تستمد صلاحيتها المذكورة كذلك من طبيعة المهام المسندة إليها المتمثلة في تتبع العمليات الانتخابية خلال كافة مراحلها و السهر على سلامتها،إذ ورد في البلاغ الصادر عن اللجنة بتاريخ 15 يناير2015 بمناسبة الإعلان عن تفعيلها ما يلي: “و تتمثل المهمة الأساسية للجنة المركزية و اللجن الإقليمية،في اتخاذ التدابير العملية الكفيلة بصيانة و احترام نزاهة العمليات الانتخابية،و ذلك من خلال تتبع سير مختلف مراحل العمليات المذكورة،لتحقيق سلامتها “.

و تجدر الإشارة إلى أن اللجنة سبق لها أن أصدرت بلاغات في مناسبات متعددة حول الجرائم الانتخابية و الإجراءات المتخذة بشأنها لم يثر بشأنها أي نقاش حول مدى أحقية الجهة المصدرة لها.

كما أن الدفع بانتهاء مهام اللجنة بالإعلان عن نتائج اقتراع أعضاء مجلس المستشارين يبقى مردود عليه لكون الإطار المنظم للجنة لم يحدد أجلا لانتهاء مهامها،كما أن طبيعة الأفعال المرتكبة ترتبط بجرائم انتخابية و ليس بجرائم حق عام لا علاقة لها بالانتخابات،زيادة على أن القوانين المؤطرة للعملية الانتخابية نفسها قيدت تدخل النيابة العامة في اتخاذ قرار بشأن بعض الجرائم الانتخابية إلى حين الإعلان عن النتائج.

  • رابعا: نشر أسماء المشتبه فيهم أو المتهمين ليس فيه أي مساس بمبدأي قرينة البراءة و سرية الأبحاث:

غني عن البيان أن موضوع نشر أسماء المشتبه فيهم ليس بموضوع جديد،إذ تجاذبته النقاشات و السجالات منذ أمد بعيد و داخل كافة المجتمعات،و إن كان خلال مناسبات محددة حتمها بالضرورة حجم و طبيعة بعض القضايا أو ظرفية ارتكابها أو نظرا لصفة و وظيفة الأشخاص المشتبه ارتكابهم لها…،و قد ترتب عن ذلك جدل كبير في ظل غياب حكم قانوني صريح في جل التشريعات المقارنة.

و عموما يمكن القول إن نشر أسماء المشتبه فيهم أو المتهمين ليس فيه أي مساس بقرينة البراءة أو سرية البحث و التحقيق،ما دام أنه لم ترافقه تعليقات أو تصريحات تقيم الاتهام الموجه إليهم أو تولد إحساسا لدى الرأي العام بكونهم مذنبين.و إلا فكيف نفسر إجراء نشر أسماء و صور المبحوث عنهم في كافة وسائل الإعلام من أجل ارتكاب جرائم لم تثبت في حقهم بعد بموجب حكم نهائي.

كما أن القانون لم ينص صراحة على منع نشر أسماء و صور المشتبه فيهم أو المتهمين إلا في حالات استثنائية،كما هو الحال بالنسبة لأحكام المادة 466 من ق م ج فيما يخص الأحداث،التي نصت صراحة على ما يلي:”يمنع نشر أية بيانات عن جلسات الهيئات القضائية للأحداث في الكتب و الصحافة و الإذاعة و عن طريق الصور و السينما و التلفزة أو أية وسيلة أخرى،و يمنع أيضا أن ينشر بنفس الطرق كل نص أو رسم أو صورة تتعلق بهوية و شخصية الأحداث الجانحين.”

و من باب الاستدلال يمكن الاسترشاد بالممارسات المعتمدة في العديد من الديمقراطيات،التي لا تجد حرجا في نشر أسماء المشتبه فيهم أو المتهمين بالنسبة لبعض القضايا التي تسترعي انتباه الرأي العام،كما هو الحال بالنسبة لنشر العدالة الأمريكية لأسماء المشتبه في تورطهم في ما عرف بتلاعبات الاتحاد الدولي لكرة القدم”FIFA”و كذا في فرنسا بالنسبة لأسماء الصحفيين المتورطين في ابتزاز ملك المغرب…

رابط مختصر