من قتل الطالب الصحراوي عبد الرحيم بدري يا أستاذ الدغرني؟! عبد الجليل بيشا باحث في تاريخ المغرب

من قتل الطالب الصحراوي عبد الرحيم بدري يا أستاذ الدغرني؟! عبد الجليل بيشا باحث في تاريخ المغرب

من قتل الطالب الصحراوي عبد الرحيم بدري يا أستاذ الدغرني؟!

عبد الجليل بيشا:باحث في تاريخ المغرب

loading...

1. « تيماتارين »… خطرٌ داهمٌ

الأستاذ المحترم أحمد الدغرني،

تحية طيبة و بعد،

كنت قرأت تحليلك القيم المنشور بموقع “هسبريس” الاكتروني يوم 30 أبريل 2014، والذي حمل عنوان: « مقتل الطالب عبد الرحيم الحسناوي، من يتحمل المسؤولية؟ »، الذي تناولتَ فيه بشكل علمي دقيق الخلفية التاريخية و السياسية لمقتل ذلك الشاب الذي كان رحمه الله، ينشط في صفوف الفصيل الطلابي المحسوب على حزب العدالة والتنمية. ما أثارني في مقالتك هو قراءتك “البانورنامية” للحدث، حيث وقفت تنظر إليه من أعلى لا من أسفل، فأرجعت جذور العنف والصراع الطلابي داخل الجامعة المغربية إلى سنة 1956، يوم تأسس “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”، أشهرا قليلة من نيل الاستقلال، وأوضحت تأثير السياسي على النقابي مستوحيا مقولة: “لكل معركة في الشارع صداها داخل الجامعة”، فقرنت بين الانشقاقات الحزبية والصراع السياسي في “العهد الحسني” والعنف داخل الجامعات، حيث دفع الطلبة ضريبة “عواقب الانفصال”، قبل أن تخلص إلى أنه: « ما بين سنة 1957-2014 لا نجد فترة من الفترات لا يلعب فيها الانقسام الحزبي دور تسخير الصراعات بين الشباب في الجامعات في التدريب على الصراعات التي تخرج عن الأهداف الطلابية المحضة ». من ذات الموقع وبذات الأدوات، أقف و إياك لنحلل جذور الخلاف الصحراوي الأمازيغي، الذي طفى إلى السطح منذ سنتين عقب مقتل الطالب الأمازيغي عمر خالق في موقع مراكش، وتجدد اليوم إثر مقتل الطالب الصحراوي عبد الرحيم بدري في موقع أكادير، ثم لنضع الأصبع على مكمن الداء، ونتلمس الطريق نحو تحديد المسؤوليات والبحث عن آليات لوضع حد لإراقة الدماء، علّها تحد البلاء، وتوقف رحلات الارتقاء نحو السماء. لقد انتابني حزن عميق يوم قتل عمر، و حاولت على قدر الجهد المساهمة في نزع فتيل تلك المواجهات التي نشبت بين الطرفين، فكتبت مقالة مطولة أردّ فيها على أحد المحسوبين على التيار الأمازيغي بمراكش، لم أستسغ تعليقه على الحدث بوصفه “اغتيال سياسي”، عنوانها: «حين امتزجت دماء الأمازيغ بدماء الصحراويين في ساحات المقاومة والتحرير». بذات الدافع وذات الحزن، أكتب إليك يا أستاذ أحمد، بعد مقتل عبد الرحيم، و عذرا على مناداتك باسمك الشخصي أملا في تلطيف جو النقاش الهادئ الذي أنوي بسطه بعيدا عن خطاب اللحظة المنفعل، تقديرا مني لمكانتك داخل الحركة الأمازيغية المغربية، وباعتبار القرب الجغرافي والتاريخي، بحكم أني والمرحوم بدري أبناء قبيلة أزوافيط التي تربطها مع أيت باعمران مصاهرات وتاريخ مشترك، ويجسدان وجها من أوجه التثاقف الأمازيغي العربي (سوس والصحراء)، لذلك حرصت على أن يكون عنوان هذه المقدمة بلفظ من التراث الأمازيغي، هو نداء «تيماتارين» الذي كانت القبائل الأمازيغية بسوس ترفعه عبر إطلاق طلقتين متتاليتين في الهواء تحذيرا من خطر داهم أو شر مستطير.

2. صدمة الطفولة… لماذا كل هذه الكراهية؟!

المكان: إعدادية عبد الكريم الخطابي بحي الخيام- أكادير.

الزمن: الموسم الدراسي 88-1987.

الحدث: صبي حلّ للتوّ أكادير صحبة أفراد أسرته المنحدرة من كَليميم (أكَلميم)، ارتحلت إليه لتمنح ابنتها البكر فرصة متابعة دراساتها الجامعية وسط اعتراض أقارب واندهاش الجيران، يلج حجرة الدراسة وسرعان ما يشعر بغربة المكان، ذلك أنه لم يكن يفقه شيئا من أحاديث أقرانه، فلغة الكلام هنا هي “تاشلحيت”، أما هو فكان لسانه يجري بلغة الأم، حسّانية معجونة بمفردات أمازيغية لم يكتشف أنها كذلك إلا بعد أن شب عن الطوق. غربته كانت حافزا لإثبات الذات، فكان أن حل ثالثا في الصف، مما جر عليه حنق الأقران الذين بدأ بعضهم يستفزه بكلمات تقدح في أصوله… يذكر جيدا يوم استغل بعضهم تأخر الأستاذ في الحضور ليهيّج الآخرين في وجهه ويشرعون في قرع الطاولات مرددين للحظات: “الصحراوي تحت الخيمة… عندو بيعة مغربية”… عض الوافد الغريب على نواجده وهو يتذكر صورة عمه الجندي الذي قضى قبل أشهر في حرب الصحراء، قبل أن يصرخ في تحد صرخة من يقابل جيشا لوحده:”لم نبايع أحدا”! أمضى الصبي الموسم الدراسي في صدام متكرر مع زملائه، تعلم هو الآخر كيف يرد الشتيمة بأختها، حتى إذا ما انقضى الموسم استراح منهم واستراحوا منه. عاد الصبي إلى موطنه في نهاية الموسم الموالي، وفي ذهنه سؤال عميق: لماذا كل هذا الحقد؟ وما سبب تلك الكراهية المتبادلة التي كانت بينه والأقران؟!. تزامنت عودته مع وقف إطلاق النار في حرب الصحراء في 1989، التي شارك فيها والده من أول طلقة، وهو الذي أمضى في خدمة الجيش المغربي أزيد من أربعة عقود. وفي ثانوية باب الصحراء سيكمل دراسته، وهناك سيقرأ لأول مرة عبارة نحتت في طاولات وكتبت على الجدران (vive RASD)، أي عاشت “ج.ع.ص.د”؛ الاسم المختصر للجمهورية العربية الصحراوية الديموقراطية، التي كانت جبهة “البوليساريو” تقاتل من أجل إقامتها بقوة السلاح حينها، وقد حامت الشكوك حول التلاميذ الداخليين وتوجهت إليهم أصابع الاتهام بكتابة تلك العبارة، وخاصة أبناء قبيلة أيت أوسى، كبرى قبائل تكنة المصنفة سياسيا ضمن القبائل الصحراوية الوحدوية بحكم التاريخ والجغرافيا، والتي عوّل عليها الحسن الثاني كثيرا في قتال الجبهة، مستغلا ثاراتها التاريخية مع الرقيبات كبرى القبائل المشكلة لها. استغرب ذلك الصبي كثيرا مما جري، و بدأ يتساءل: لماذا انتشرت فكرة الانفصال لدى شباب أيت اوسى، وهي القبيلة التي فقدت المئات من أبنائها في حرب الصحراء، خاصة وأنه باستثناء الزاك، فإن مجالها لا يدخل ضمن مناطق النزاع؟! نال الصبي وقد اشتد عوده شهادة الباكلوريا، وغادر موطنه باتجاه أكادير مجددا لدراسة التاريخ بكلية الآداب، في الجامعة الوحيدة في الجنوب بأسره، وهناك سيعايش عن كثب ميلاد مكون طلابي حديث النشأة حمل إسم “الحركة الثقافية الأمازيغية”، كل شعاراته وحلقيات النقاش التي كان يعقدها كانت تتم بالأمازيغية، وإن حدث أن طلب أحد نقطة نظام بالعربية كان ينهر… هناك تذكر زملاءه في الإعدادية، وهناك أيضا حضره سؤال ثالث: من يكون هؤلاء الوافدون الجدد إلى الساحة الطلابية وما الذي يريدونه؟ لم يكن ذلك الصبي الذي أحدثك عنه يا أستاذ أحمد سوى محاورك اليوم، والذي لا زال يرتجي منك صبرا ليجيب عن كل الأسئلة التي رسخت في ذهنه منذ الطفولة، والتي اهتدى بعد طول بحث إلى إيجاد أجوبة لها.

3. جذور الخلاف الصحراوي الأمازيغي: إذا كنت يا أستاذ أحمد، قد حددت جذور العنف بالجامعات المغربية في سنة 1956، فإني أعتقد أن جذور الصراع الحالي بين الفصيلين الأمازيغي والصحراوي، ممتدا في قرون من الزمن، وتعمق أكثر بعد استقرار آل الشيخ ماء العينين بتزنيت بداية من 1909، وخاصة بعد انكسار حركة أحمد الهيبة في 1912، السنة التي أصر على أنها المنطلق الحقيقي لمشكل الصحراء إلى يومنا هذا.

أ- حروب تكَزولت وتحكَات كانت المبتدأ: انقسمت قبائل سوس والصحراء منذ قرون إلى حلفين متناحرين، هما حلفا تكَزولت وتحكَات، ولعقود طويلة ظلت رئاسة لف تحكَات (اشتوكة) في دار آل بورحيم و ضم قبائل: تزنيت، أيت ابراييم، العوينة، إداوبعقيل، أيت أومريبط، إفران، ماسة، شتوكة. بينما كانت رئاسة تكزولت (جزولة) في دار بن هاشم بزاوية إليغ بتازروالت، وضم قبائل: أكلو، الساحل، لاخصاص، أيت الخمس، أيت إعزا، أيت عبد الله، أيت رخاء، أيت المعدر، إد براهيم، تمنارت، أصبويا، أزوافيط، أيت لحسن، أيت أوسى، الركيبات. منذ القرن السابع عشر تمكنت تكزولت من حسم ذلك الصراع بعد أن توحدت تحت إمرة أسرة بودميعة الإليغية (تازروالت)، و التي ستسعى إلى التحالف مع أسرة آل بيروك بواد نون لصد أي تهديد مخزني بالمنطقة، وكذا للسيطرة على تجارة القوافل الصحراوية الرابطة بين السودان الغربي وميناء الصويرة. يتضح أن ذلك الصراع امتد في رقعة جغرافية كبيرة شملت سوس والصحراء، ولم تظهر الجوانب العرقية فيه بعد (أمازيغ/عرب)، بل من المؤكد عندنا اليوم أن عدة قبائل سوسية حاليا، هي من أصول صحراوية، كآل بورحيم بأولاد جرار، وكسيمة بإنزكان والدشيرة، وبعض فروع إداوتنان، وكذا أسرة أنفلوس بحاحة المنحدرة من أيت أوسى، وليس هذا مجال التوسع في الشرح. ثم إنه طوال القرن التاسع عشر عرك المخزن قبائل سوس عرْكاً شديدا عبر قُواد حاحة، كلما حاولت الخروج عن سلطته وجبروته، وخاصة بعد وفاة الحسن الأول سنة 1894، حيث اعتمد على خدمات القائد سعيد الكيلولي، من آل المحجوب الكلولي بتامنار المنحدرين بدورهم من أيت اوسى، والذي أفرزت حركته مشهدا جديدا وتحالفات جديدة لم تتغير إلا بقدوم الشيخ ماء العينين إلى تزنيت. ب- حركة أحمد الهيبة والانقسامات الجديدة: بعثرت حركة الهيبة نحو مراكش صيف 1912، التحالفات القبيلة السابقة وصنعت تحالفات أضرت بها لاحقا، ذلك أن القبائل الحليفة لزاوية تازروالت ولأغبالو/ماسة، وزاوية الخنابيب، وعين أولاد جرار، والتي عارضت الحركة منذ البداية، ستكون لاحقا عمدة الاحتلال الفرنسي في كسر شوكتها بعد هزيمة سيدي بوعثمان، ولسنا هنا بصدد اجترار ما سبق أن وضحناه في مقالتنا السابقة. بل ويمكن الجزم أن انكسار حركة الهيبة هي المنطلق الحقيقي للأحقاد بين الصحراويين وبعض السوسيين، بل وبينهم وبعض القبائل المحيطة بمراكش التي سمّمت وذبّحت الصحراويين وأكلت جمالهم أثناء مطارتهم خارج أسوار مراكش، بعد إخراج الهيبة منها، أما أول ملامح الخصومة مع بعض قبائل سوس، فكانت إخراج أهل تزنيت وأكَلو للشيخ النعمة خليفة الهيبة بتزنيت بإيعاز من “المخزن الفرنسي”، ونهب خزانة الشيخ ماء العينين التي كانت تعد وفق بعض التقارير أكبر مكتبة في شمال إفريقيا، ومع مرور الأيام كانت الهوة تتسع خاصة بعد تصفية الصحراويين لقادة معارضين من قبيل عبد السلام الجراري والفقيه ابن عبو الشتوكي وغيرهما، وما تلا بعد ذلك من انتقامات متبادلة بين أنصار الحركة ومعارضيها، والتي لم تتوقف إلا بالاجتياح النهائي للاحتلال الفرنسي. ظلت الضغائن كامنة في النفوس لعقود طويلة، تحتفظ بها الذاكرات الجماعية، بث بعضها في كتاب الاكراري وكتب السوسي وخاصة منها المعسول، ولعل التعبير القدحي “الأعراب” الذي حبلت به تلك الكتابات بعضٌ من تلك الكراهية الموروثة، ظل ساري المفعول إلى أن قصف به ذلك الصبي في حي الخيام بأكادير سنة 1987، مع شيء من اللحن: “إعرابن”. حي الخيام الذي سيعيد التعايش بين الصحراويين والأمازيغ في نهاية عهد الحماية، بعدما سمحت السلطات الاستعمارية لأرباب مصانع تعليب السمك بحشد العاملات من واد نون ونقلهن في شاحنات للعمل في مصانعهم، قبل أن تلتحق بهن أسرهن ليبنوا هناك “مدينة من خيام”.

3. الصحراويون و الأمازيغ و مسارات ما بعد الاستقلال:

كانت التجربة الإستعمارية قاسية ومريرة على قبائل سوس والصحراء، فبعد تقسيم مناطق النفوذ بين القوتين الاستعماريتين الفرنسية والاسبانية، تفككت البنى الاجتماعية والاقتصادية القديمة بفعل النظام الضريبي الجديد ورسملة الاقتصاد ونزيف الهجرة نحو الشمال وأوربا، أما سياسيا فافتقدت القبائل زعامات حقيقية، مما سهل لعناصر جيش التحرير حمل لواء المقاومة المسلحة في مرحلة لم تدم طويلا (58-1956)، لكنها على الأقل أظهرت تعاطفا وتنسيقا بين قبائل سوس والصحراء (عملية أوكوفيون)، ولعلك يا أستاذ أحمد أحوط مني بمظلمة أيت باعمران التي عايشتها بنفسك، والتي تلخص عِظم التجاوزات التي يتحمل حزب الاستقلال حليف القصر يومها الوزر والمسؤولية التاريخية فيها، تجاوزات عمقت كراهية الأمازيغ لكل ما هو عربي بحكم مرجعية الحزب الفكرية والمذهبية. كان استرداد إيفني سنة 1969، منعرجا فاصلا في تاريخ الجنوب، حيث سيسير الصحراويون وأمازيغ سوس في مسارين مختلفين، ففي ذات السنة ستشهد العيون ميلاد «المنظمة الطليعية لتحرير الصحراء»، التي أسسها بصيري الذي قاد أول انتفاضة شعبية ضد الاحتلال الاسباني بالمدينة، جاعلا من نفسه أحد الآباء الروحيين لجبهة البوليساريو، وعلى صعيد آخر حافظت قبائل واد نون على مكانتها الاقتصادية، كسوق سنوي، لكن الهجرة نحو الخارج استنزفت قدراتها البشرية. وبالمقابل ناصر كثير من شباب أيت باعمران وسوس عامة الأحزاب اليسارية، واختار بعضهم -وكنتَ من بينهم- النشاط من داخل جمعيات أمازيغية: «الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي»؛ و«جمعية تاماينوت»؛ وغيرهما ممن اقتصر نشاطها على حماية «الثقافة الشعبية»، والاتزام بما هو ثقافي، قبل أن تجاهر بمطالبها السياسية في “إعلان اكادير” 1991، بالتزامن مع حرب الخليج الثانية وسقوط المعسكر الاشتراكي، وهو ما أفضى إلى بروز المكون الأمازيغي داخل الجامعة المغربية، تزامنا مع بروز المكون الصحراوي أيضا. في الوقت الذي كانت فيه الجمعيات الثقافية الأمازيغية تشتغل بهدوء خلال السبعينات والثمانينات، كانت الصحراء تعيش على صفيح ساخن، حرب دامية اندلعت بعد تنظيم المسيرة الخضراء، وأسفرت بعد أربعة عشرة سنة من المواجهات الدامية على اختلالات وتناقضات وفروق قبلية بين قبائل وادي الساقية الحمراء وواد الذهب اللذان خضعا للاحتلال الاسباني، وقبائل تكنة بواد نون التي خضعت للاحتلال الفرنسي، والتي ستكون رأس حربة الجيش المغربي في سنوات الحرب الأولى، وهو ما دفع شباب أيت اوسى فيما بعد إلى البحث عن سبيل لموازنة الكفة من خلال تأييد خيار الانفصال مطلع التسعينات (حالة التامك وحيدرا…)، بعدما اكتشف أن قبيلته بعد وقف إطلاق النار خرجت خاوية الوفاض، مثل الذي “خرج من المولد بلا حمص” كما يقول المثل المصري.

4. عبد الرحيم بدري… ضحية خطاب الكراهية وخلط الأوراق:

أبصر عبد الرحيم بدري النور في جماعة أسرير عاصمة قبيلة أزوافيط، يوم14 فبراير 1994، في ذات الشهر وذات السنة التي شهدت تأسيس “المجلس الوطني للتنسيق بين الجمعيات الأمازيغية”، أول إطار وحدوي بين أمازيغي المغرب الذين سعوا حثيثا إلى دسترة وترسيم الأمازيغية، وفي ذات السنة أيضا رفع فيها شعار “الشعب الأمازيغي” في مؤتمر دولي في فرنسا، وبالمقابل لم يكن خطاب “الشعب الصحراوي” قد وجد له أنصارا كثرا داخل الطلبة الصحراويين. ينتمي بدري إلى الجيل الذي لم يشهد حرب الصحراء، والذي أسميته «جيل وقف إطلاق النار»، باعتبار أنه ولد بعد تسلم الأمم المتحدة ملف النزاع في الصحراء، فما الذي جرى حتى ناصر هذا الجيل خيار الانفصال؟! أكيد أن ما ينسحب على قبيلة أيت اوسى ينسحب على محاميد الغزلان وكل قبائل تكنة، التي دفعت غاليا ثمن الحرب اجتماعيا وموقعا استراتيجيا، وحضورا سياسيا وثقلا اقتصاديا، فغالبية مُعيلي الأسر هم من الجنود الذين قضى الكثير منهم في الحرب، والسواد الأعظم منهم أحيلوا على المعاش قبل 2004، بتقاعد زهيد، ومعظم المشاريع التنموية المخصصة للصحراء توجهت نحو وادي الساقية الحمراء وواد الذهب، وعمليات التوظيف المباشرة توقفت منذ 2011، وهي التي كانت المنفذ الوحيد لامتصاص بطالة حملة الشواهد، والحقوق الثقافية للمنطقة محنطة، و”التوازن الديموغرافي” بالمدن أضر كثيرا بمصالح القبائل، و”البلوكاج” المكبل عمل مجلس الجهة، وملفات صيكا والفيضانات وغيرها، خنقت الحياة السياسية بالمنطقة. هل للدولة يد فيما جرى؟ لا يساورنا شك في ذلك، فخيوط اللعبة كلها في أيديها، ولها من الإمكانيات ما يكفي لمنع أي حدث قبل وقوعه، خاصة وأن حادثة اغتيال بدري سبقتها مناوشات بين الطرفين أياما قبل ذلك، لذلك أشاطرك الرأي حين قلت: «أن الدولة هي المعلم والأستاذ الأكبر في ممارسة العنف»، وأؤكد أنها المسؤول الأول عن مقتله وصاحبة الدور الرئيسي في كل ما يجري، بل من غير المستبعد أنها قد اخترقت كل الأطراف… لا تندهِشْ مَنْ يَمْلِكُ “القانونَ” في أوطانِنا هُوَ الذي يملِكُ حَقَّ عَزْفِهِ! ووحده من يملك القانون يملك حق عزفه، هكذا سخر الشاعر أحمد مطر من أنظمة الاستبداد ذات يوم. إن ما يزيد من شكنا هو أن حادثة التصفية يوم 19 ماي، تزامنت من جهة مع احتفالات البوليساريو في منطقة تفاريتي، بالذكرى الخامسة والأربعين لاندلاع عملها المسلح، ومن جهة ثانية بصدور قرار وزير الداخلية القاضي بتوقيف مجلس جهة كلميم واد نون يوم 16 ماي الأخير. مهلا؛ هل قلت 16 ماي؟! ألا يذكرك هذا التاريخ بحدث ما يا أستاذ؟ أكيد أن التاريخ السياسي للمغرب المعاصر يحتفظ بحدثين وليس حدثا واحدا وقعا في ذات اليوم، وفي سنوات متباعدة، يتعلق الأول بصدور ظهير 16 ماي 1930، الذي عرف تاريخيا باسم “الظهير البربري”، والذي رفع من قيمة السلفية على حساب الطرق الصوفية والقبائل الأمازيغية، أما الثاني فكان زلزال 16 ماي 2003، الذي قلب الكفة لصالح التيارات اللائكية وخاصة منها الأمازيغية، على حساب الحركات ذات التوجه الديني أو القومي. هل يعني أن التيار الأمازيغي طرف فيما حدث؟ للأسف… نعم! فقد زرت العديد من المواقع والصفحات في وسائل التواصل الاجتماعي المحسوب أصحابها على الحركة الأمازيغية المغربية، أثناء مواكبتها لحدث الاغتيال، فوجدت الكثير من حملات التحريض الطائفي والعنف اللفظي اتجاه الحركات الإسلامية دون استثناء، ونحو الصحراويين والعرب عامة، رغم ما ترفعه من شعارات الحداثة والقيم الكونية، وإني أتحفظ على ذكر الأسماء وبعض النعوت، حتى لا ننزلق في متاهات لا نبتغي الدخول فيها، بل وقرأت واستمعت للعديد من رموز الأمازيغية فوجدت أن أقوالهم وأفكارهم هي ذات الخطابات التي يلوكها الطلبة في الجامعة، فتذكرت المثل الحساني الذي يقول: “لبل تبرّك على كبّارها”، والمعنى: صغار الإبل تبرك حيث برك كبارها، والمثل يضرب في الدلالة على أن أخطاء الصغار هي من أخطاء الكبار. وبالمقابل؛ زرت أيضا صفحات للطلبة الصحراويين بل وأخرى محسوبة على شباب القبائل، وثالثة يدون فيها أفراد الجاليات بالخارج، فوجدتها تنحو نفس المنحى.

5. السلوك المدني عقيدة قبل أن يكون ممارسة!

هذه هي الجذور العميقة والتشخيص الحقيقي لما جرى يوم 19 ماي 2018، وإنه من باب المسؤولية الدينية والأخلاقية والتاريخية يا أستاذ أحمد؛ أن نتداعى جميعا كل من موقعه لوقف مسلسل الثأر الذي لا يكاد ينتهي بين شباب مندفع مشحون عاطفيا وأيديولوجيا، محبط نفسيا، منكسر وجدانيا، فاقد للحكمة والخبرة والأمل، مبتعد عن وسائل الحوار وحل الخلافات بالطرق السلمية، لم يحض بعد بفرصة ليتلمس الطريق نحو “السلوك المدني” الذي خرجت رئاسة الجامعة ببيان بعد الأحداث تطالبه بالتحلي به. هذه دعوة للمبادرة الحقيقية والفعالة لإنهاء كل مظاهر وأشكال التطاحن بين الفصائل داخل الجامعة، وتبادل وجهات النظر وتقديم الاقتراحات القمينة بتحقيق تلك الغايات وفي مقدمتها ميثاق شرف جامعي بتجنيب الجامعة كل ما يعكر صفو العلم والتعلم فيها. أيها الشرفاء، هلموا جميعا لنوقف شلال الدم قبل نهاية هذا الشهر الفضيل… اللهم إني قد بلغت فاشهد.

2018-05-25 2018-05-25
Admin