تسجيل الدخول

رسالة إلى القاضي فؤاد دوناس بقلم المحامي ذ.محمد الجيدي

سياسةمقالات راي
رسالة إلى القاضي فؤاد دوناس بقلم المحامي ذ.محمد الجيدي
رسالة إلى القاضي فؤاد دوناس بقلم المحامي ذ.محمد الجيدي

جريدة راضي نيوز

رسالة الى فضيلة الاستاذ فؤاد دوناس القاضي،

"المحاماة زعما بوعو، صراحة كيخلعو المتقاضين حيث ينهبون ارزاقهم أما أسيادهم القضاة فلا يلتفتون لا الى كبيرهم الذي علمهم السحر ولا الى كبيرهم الذلول"

لا يسعني سيدي القاضي، خريج المعهد العالي للقضاء، زبدة المجتمع ونخبته الجليلة،  إلا ان أشكرك الشكر الجزيل على هذه التدوينة التي لم تجعلك تحمر خجلا وأنت تكتبها، ثم وانت تقرأها، ثم وانت تنشرها.
إنها لشجاعة كبيرة أن يتخطى المرء كل حواجز الأدب واللياقة واللباقة ليشهر كلاما يسب فيه ا يزيد عن الثلاثة الاف مواطن منهم الكبير والصغير المرأة والرجل المتمرن والنقيب، الزوج والزوجة، الأخ والاخت القاضي المتقاعد والمنسحب من سلك القضاء  الخ.. ثم ينسحب الى مكانه، ويعجبه ما فعل وما كتب ويتلذذ بذلك ويتخذ من نفسه بطلا، ويشعر بأنه سيدا…
أذهلني هذا الخطاب بقدر ما أدهشني، ورفضت أن يكون صادرا عن قاضي، فأنا عرفت وأعرف مجموعة كبيرة من السادة القضاة، وكذبت ذلك، وقلت إنه شخص مندس بين القضاة والمحامين يريد اشعال نار الفتنة بين جناحي أسرة العدالة في بلادنا، ففتشت في صفحته، فوجدت شخصا يحمل بندقية ويمسك برجلي أرنب مسكين ضعيف، وقلت إن القاضي لا يتباهى بحمل بندقية صيد، واصطياد أرنب. إن القاضي إنما يتباهى بكتاب يقرأه وحكم يفصل فيه بين الحق والباطل، وفصل قانوني يتصدى له فيفسره عندما ينغلق مفهومه، ومقال في مجاله يكتبه، وزدت بحثا في تلك الصفحة فلم اجد سوى سوى صورة القناص تلك تتكرر، صورة صياد ماسك برجلي ارنب ورأسه الى الاسفل.
ثم زدت بحثا عن صفحات أخرى قد تكون له تبين أمرا آخر وحالة أخرى تخالف هذه، لكني لم أجد سوى صفحة بها الاسم نفسه مضاف اليه كلمة قاضي تتوسط الاسم الشخصي والعائلي مكتوبة بلغة اجنبية…
فهل هذا هو الشخص الذي كتب ذاك الكلام أعلاه وسمى نفسه سيدا على كل محاميي المغرب، ونعت كبيرهم ب "الذي علمهم السحر" ولا أدري ماذا يعني بكبيرهم هذا، ولا من هو، وكذا كبيرهم الثاني "الذلول"، ولا أدري كذلك من هو ولا لماذا أسماه ونعته بالذلول؟
ولا أدري لماذا لم تسعفه جرأته الكبيرة في ذكر اسم هذين الكبيرين، هل هو خوف منهما، ام خشية من خطإ يكون ارتكبه حينما سماهما كذلك وهو السيد المسيد العارف، مع أن المحامون لا كبير لهم ولا صغير، إنما هم زملاء في المهنة، فإن اعتبر السيد القاضي ان كبيرهم هو نقيبهم فإن هذا لا يستقيم مع الوضع، ولا مع مناسبة كلامه، مع العلم ان نقيبهم في كل نقابة، وهي عديدة، يتغير من فترة زمنيةلأخرى، ولا أظن أنه يعني به ذلك، لأن النقيب لا يكون الا واحدا في الان وليس اثنين.
ففكرت انه لا شك ان الكلام ذهب بالسيد القاضي مذهبه وهو يفكر في الارنب الكبير الذي فر منه والارنب الصغير الذي اصابه برصاصه.
لذلك يكون من المطلوب منه، حتى لا نذهب في الخطإ بعيدا، وفي التفسيرات التي قد توصلنا الى التلف الفكري، أو نمس به أشخاصا من حيث لا ندري، ان يتفضل بتوضيح ما لم يتوضح من كلامه، لأن القاضي إنما يصدر أحكاما، ولا يصدر الكلام على عواهنه، فان تلبست الاحكام بالغموض نظرا علو تفكيره وصياغة حيثياته، فإنه يعمد الى تفسيرها بناء على طلب، وأنا بشخصي البسيط الضعيف غير القادر على فك رموز ذاك الكلام القوي الصعب، أتقدم له بهذا الطلب، بكل تقدير واحترام، راجيا ان يتفضل بتفسيره وجلو غموضه.

سيدي القاضي الفاضل،

 لم أفاجأ بخلطك في تدوينتك بالدارجة والعربية، فكلامك السامي العالي علوا صعب الوصول، لا يمكن ان يفهمه الموجه اليهم الا اذا اختلط بالدارجة، ونحن اعتدنا في كثير من الاحكام على هذا الخلط حتى أننا لم نعد نره عيبا تحريريا، لكن لم يصل أبدا في لغة قاض ان استعمل كلمة "زعما"" و "بوعو" ان هذه الجملة الغريبة على الاستعمال القضائي المعتاد، وغير المعتاد كذلك، تجعلني أشد على يد السيد عيوش صاحب القاموس الشهير وأطلب منه أن يعمل على اضافتها فيه نظرا للقيمة القضائية التي أعطتها سيادتكم لها بإيرادها في تدوينة موجهة من قاض سيد الى محامين يتعلمون منه أصول الكلام ومعجمه. وقد ورد كلام السيد القاضي المدون دفاعا عن زملائه القضاة ضد المحامين، ولا أدري هل كلفوك بذلك، أم أنها كانت مبادرة شخصية منك، ولم أر أية تدوينة من أي قاض وافقك عليها مما جعلها ربما تدخل في باب الفضالة. وحسب معلومتي البسيطة فإنالفضالة إن أقرها ووافق عليها المنجزة لفائدة تمت، وان لم يوافق عليها ردت على الفضولي.
سيدي القاضي الفاضل،

لقد استعرت من القرآن الكريم آية "كبيرهم الذي علمهم السحر" وهي آية كريمة أوردها الله سبحانه وتعالى في واقعة جرت بين النبي موسى عليه السلام مع سحرة فرعون الجبار المتكبر المتغطرس الذي اراد ان من هامان ان يبني له صرحا لعله يبلغ اسباب السماوات فيطلع الى الاه موسى فهو يظنه كاذبا، وكان المعني بالكبير الذي علمهم السحر هو النبي موسى، فهل رأيت بيننا نبيا صادقا صفيا قريبا من المولى عز وجل مصطفى من قبله كموسى؟ نحن نفخر ان نجد بيننا شخصا يختاره الله عز وجل كما اختار النبي موسى، لكن هذا غير موجود بيننا، فإن كنتَ رأيته وسميته كبيرنا الذي علمنا السحر فربما ذلك من ضربة شمس اصابتك وانت تصطاد ذاك الارنب الصغير. فلا حرج عليك.
وبينما رفعت من قدر هذا الكبير الى درجة النبي موسى، أسقطت الكبير الثاني وجعلته ذلولا. فهل تعرف ماذا تعني هذه الكلمة وهل أنت واع بمدلولها، وهل تجد مروءة في قولها، ولا تجد غضاضة في نسبتها الى أناس لا تتجرأ على ذكر إسمهم.، ام هي داخلة ضمن مجموعة المفردات التي يتعين ان نضيفها الى قاموس السيد عيوش المحترم.
أخاطب فيك القاضي لا صياد الارنب الضعيف ببندقي ورصاص وبدلة حربية
"صراحة كيخلعو المتقاضين حين ينهبون أرزاقهم" وأنت على علم بهذا الواقع المرير الذي حز في قلبك الجميل الرقيق رقة ارنب ضعيف، على علم بكون المحامون يرهبون المتقاضين وينهبون ارزاقهم، فما فعلت وأنت الموظف السامي الراعي للحقول والحريص عليها، الموضوعة بين أيديك وأصابعك جميع أسباب الحفاظ على العدالة وتحقيقها والملكف بها، المعطاة لك ميزة من أهم الميزات التي لم تعط لغيرك من الموظفين، أن تصدر أحكاما باسم أرفع سلطة في البلد، وهو شرف لك وحدك دون غيرك، أتدري أن تدوينتك اعلاه هي بصفتك قاضي، وأنها على شكل حكم، وانه من السهل جدا أن تبدأ بتلك الصيغة الاستثنائية وأنك وأنت جالس تكتبها كانت فوق رأسك الاية الكريمة تقول " وان حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" صدق الله العظيم.
فأي عدل في هذا الاتهام الخطير المجاني والعنيف الذي أصدرته في حق جسم المحاماة عموما دون أي استثناء "صراحة كيخلعو المتقاضين حين ينهبون أرزاقهم" ألم يقف لك أصبع من بين أصابعك العشر وينهيك عن فعلتك؟ ألم يرمش لك جفن؟ ألم يخفق قلبك خفقة واحدة فقلت في نفسك ربما أنا مخطيء حين أجمعهم في سلة واحدة وأسبهم جميعا مع كبيريهم، أية جرأ هذه وأية إشراقة علمية ومعرفية وسيادية وأية حكمة ابهرتك وانت تصل الى هذه النتيجة الجليلة الراقية فتخطها بأصابعك الذهبية التي لا تضاهيها أصابع لا في المغرب ولا في السند او الهند كما يقال.
سيدي القاضي الفاضل

المدافع عن القضاة دون اخذ رأيهم فلا أظن انهم يشاطرونك كلامك وهو أرقى وأعلى مأشرف من ذاك الكلام بكثير، أتنعرف انك مدافع فاشل؟ قد تكون قاضيا ناجحا لكنك مدافع فاشل فشلا ذريعا. أنت خرجت من مجالك الوظيفي ودخلت مجالا لا يعنيك ولا تعرف عنه شيئا، فسقطت في بحر من الشب والشتم واستجلاب استعارات في غير محلها ربما أضحكت الكثيرين وأبكتهم في آن. أضحكتهم لغرابتها وخروجها عن الموضوع، وأبكتهم كونهم لم يكونوا يتصورا انها تصدر عن قاض عفيف رزين ذو تفكير سامي وسلوك راقي.
تصور، سيدي القاضي، انك في جلسة علنية من تلك الجلسات التي تترأسها والتي تلبس فيها جبتك التي شرفك القانون بها، ووقف أمامك محام وقال ما قلته أعلاه في حق أي كان. ما ذا كان سيكون موقفك منه؟ هل كنت ستصفق له، أم كنت ستنبهه الى خطئه؟ وهل يُقبل من مدافع أن يسب ويشتم ويهين ويتهم؟ وأنت أول العارفين أنالكلام ذاك يعاقب عليه القانون الجنائي، قبل أن تعاقب عليه الاخلاق الحميدة، فكيف تسمح لنفسك ان تدافع به عنك وعن زملائك القضاة الشرفاء..
لقد حاولت ان تتقمص دور الفاع ففشلت، اذ لم تجد في فمك سوى ذاك الكلام الذي يندى له الجبين، وأنا أعذرك لأان وظيفتك الفصل بين المتنازعين وليس الوقوف مع خصم ضد آخر فحين فعلت كان ما كان.. لذلك كان عليك ان تقف عند حدود وظيفتك التي تتشرف بها ولا تتعداها لوظيفة غيرك حتى لا تسقط سقطتك هذه فتتبرأ منك وظيفتك وجبتك.

سيدي القاضي النبيه

قد أكون أطلت عليك، لكني قلت هذا لانه غيض من فيض، وهو ضروري لتوضيح أمر بسيط هو قوله تعالى "فإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما" صدق الله العظيم، وما دام الخلاف في بدايته فكان المطلوب الاصلاح بين الجانبين، وهذا للقضاء فيه باع كبير، بينما أنت صببت الزيت على النار كما يقال، لتشعلها وتزيدها التهابا، ظانا منك انك تدافع عن زملائك وتدافع عما تحيل عليه من استقلال السلطة القضائية. وما فعلت.

ان مهمة القاضي كما تعرف اكثر مني هي الفصل بين المتنازعين، وتطبيق القانون. هذا التطبيق الذي يجب الا يكيل بمكيالين ولا بثلاثة مكاييل ولا باربعة ولا أكثر، وان الخروج عن هذه القاعدة هو ما قد يكون سبب النزاع والاحساس بالظلم والضيم، لذلك كان القضاء من اصعب الوظائف على الارض وكان الله تعالى سيد القضاة العادل الاعدل.

وهنا لا بد ان اختم بتدوينتك الثانية وهي أجمل وأعظم وأبهى من الاولى تدوينة لا يمكن الا أن نصفق لك عليها ونحبك حبا جما. بل ويحبك كل المواطنون الذين قرأوها أو سيقرأوها. تقول في كلامك الراقي الجميل الذي لا يصله قول وهو:
وقلت أيها الأفاضل نحن السبب في تطاولهم وقد قلتها وأقولها نحن الذين نعاملهم كزملاء وما هم الا مصاصي دماء الضعفاء والفقراء.

فشكرا لك سيدي القاضي السيد.

هذه رسالتي اليك سيدي القاضي الفاضل، وأطلب من الله تعالى أن يعينني على كتابة رسالة للفاضلة الاستاذة أمال الحوماني ردا على تدوينتها القيمة والأديبة.

رابط مختصر