تسجيل الدخول

علي أنوزلا يكتب:لماذا إزاحة بنكيران و استمرار “العدالة و التنمية”؟

مقالات راي
علي أنوزلا يكتب:لماذا إزاحة بنكيران و استمرار “العدالة و التنمية”؟
علي أنوزلا يكتب:لماذا إزاحة بنكيران و استمرار “العدالة و التنمية”؟
Sin título 1 13 - www.radinews.com

علي أنوزلا:لماذا إزاحة بنكيران و استمرار “العدالة و التنمية”؟

حتى قبل إجراء الانتخابات التشريعية في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2016،كان واضحا أن السلطة في المغرب التي يختزلها القصر الملكي و محيطه لا ترغب في أن يستمر الإسلاميون في مشاركتهم في الحكومة.و قد تجلى هذا الرفض المضمر للحزب الإسلامي الوحيد المعترف به في المغرب في الحملة المشحونة التي سبقت الانتخابات،لتأليب الرأي العام ضد رئيس الحكومة المنتهية ولايتها،و حزبه الإسلامي “العدالة و التنمية”.و شملت هذه الحملة تنظيم مسيرة مجهولة الهوية،رفعت شعارات ضد “أخونة” الدولة،و تجاوزت الحملة ما هو سياسي إلى ما هو شخصي و أخلاقي،عندما استهدفت الحياة الشخصية لقادة و رموز من الحزب نفسه،بقصد هز صورته لدى الرأي و المسّ بمصداقية خطابه المبني على القيم.

و بعد الانتخابات و نتائجها التي جاءت مفاجئة للجميع،و بوأت نتائجها الإسلاميين صدارة الأحزاب المتنافسة فيها،لجأت السلطة إلى عرقلة تشكيل حكومة بقيادة زعيم الحزب الإسلامي و قائد التجربة الحكومية المنتهية ولايتها،و ما لم تنجح في تحقيقه،عبر كل الحملات التي قادتها ضده،قبل الحملة الانتخابية و خلالها،ستنجح في تحقيقها في أثناء فترة المفاوضات لتشكيل الحكومة،فقد عمدت السلطة،هذه المرة،إلى الأحزاب الموالية لها،لوضع شروط تعجيزية أمام رئيس الحكومة المعين،و كلما كان يقدم تنازلا كان مفاوضوه يطرحون أمامه شروطا جديدة،كان الهدف منها واضحا هو الإمعان في إهانته،و هذا ما عبّر عنه بنكيران نفسه،أو دفعه إلى طلب إعفائه من الملك،لتعذر قيامه بالمهمة التي كلفه بها،بموجب التعيين الذي فرضه نص الدستور على الملك.
و عندما قرّر رئيس الحكومة المعين السابق،عبد الإله بنكيران،التوجه إلى القصر و إطلاع الملك على ما اعترض سبيله أمام تشكيل حكومته،و ربما طلب إعفائه،سيفاجأ بقرار إنهاء مهمته جاهزا،أخبره به مستشارون للملك،و هو ما جعل بنكيران يعرب عن صدمته من القرار الذي فاجأه،و عن خيبة أمله من عدم لقاء الملك الذي كان يحمل إليه تقريرا مفصلا عن خمسة أشهر من المفاوضات الماراثونية،اتضح في النهاية أن الهدف منها رأس بنكيران نفسه الذي بات وجوده على رأس الجهاز التنفيذي في المغرب مزعجا على أكثر من مستوى،بالنسبة للسلطة المركزية في المغرب.فالرجل لم تتم إزاحته لأنه فشل في إدارة مفاوضات تشكيل حكومته،فالحكومات و الأغلبية في المغرب تُصنع بقرارات من السلطة المركزية،لأن أغلب الأحزاب السياسية في المغرب هي صنيعة هذه السلطة،و حتى صاحبة الشرعية التاريخية ناذرا ما تملك استقلالية قرارها.و ما حدث مع بنكيران هو عملية إزاحة،و هذا قرار سياسي،و لم يتم إعفاؤه،كما يتداول ذلك الإعلام الرسمي في المغرب،بما أن قرار إعفاء رئيس الحكومة في المغرب لا يتم إلا بناءً على استقالته،و الحال أن بنكيران ما زال رئيس الحكومة المنتهية ولايتها،و ما جرى هو إنهاء المهمة التي كلفه بها الملك،لتشكيل الحكومة المقبلة.و هذا قرار سياسي بالدرجة الأولى،الهدف منه إنهاء المسار السياسي للرجل لعدة أسباب،أهم ثلاثة منها سرّعت القرار.
تصريحات بنكيران،خلال السنتين الماضيتين،و التي حولت صاحبها إلى أكبر معارض رسمي لسلطة بلاده،طاولت انتقاداته بنية السلطة المركزية في المغرب،عندما كان يتحدث عما يسميه “التحكّم”،و هو تعبير مخفف للإشارة إلى “سلطوية” النظام المغربي.و ذهب،في تصريحاته،إلى الحديث عن وجود دولتين في المغرب،رسمية يرأسها الملك،كما قال،و أخرى لا يعرف،و هو رئيس حكومة،من يُسيرها،لكنها هي التي تُعين و تقرّر (!).
السبب الثاني،شعبية بنكيران المتنامية التي باتت تخيف السلطة المركزية التي لا تريد أي منافس لها،خصوصا إذا كان لصاحب هذه الشعبية شرعية ديمقراطية،و يعتمد على مرجعية دينية،و هي المرجعية نفسها التي يستمد النظام في المغرب شرعيته منها.السبب الثالث وراء إزاحة بنكيران نظافة يده التي حصّنته دون كل محاولات تدجينه،و جعلته يقاوم كل أساليب الضغط التي مورست عليه،و دفعته أحيانا كثيرة إلى تقديم تنازلاتٍ كبيرة،لكنها لم تنجح في تطويعه،أو كسر شوكة مقاومته،سعيا وراء احتوائه.
و بعد قرار الإزاحة الذي كان سياسيا،أولا و أخيرا،سيتضح أن المستهدف كان هو بنكيران”و ليس حزبه”نفسه،و ليس حزبه (العدالة و التنمية)الذي عبر الملك محمد السادس لرئيس الحكومة المعين الجديد سعد الدين العثماني (الرجل الثاني داخل الحزب نفسه)،عن استعداده للعمل مع حزبه الإسلامي،فالقصر مازال في حاجة ماسة إلى “العدالة و التنمية”،بسبب شعبية هذا الحزب المتنامية،فهو يحتاج له في الحكومة لتمرير قراراتٍ غير شعبية،يتم الإعداد لها،و في مقدمتها قرار تحرير سعر الدرهم المغربي،و هو ما سيؤدي إلى ارتفاعٍ في الأسعار،و في مستوى المعيشة،و سيؤثر سلبا على القدرة الشرائية للطبقات الأقل دخلا.و يحتاج مثل هذا القرار إلى حزب له سند شعبي لتمريره.فقد سبق للحزب نفسه الذي قاد التجربة الحكومية المنتهية أن أقدم على اتخاذ قراراتٍ لا شعبية قاسية،من دون أن يكون لها انعكاس سلبي على السلم الاجتماعي الذي مازال متحكّما فيه في المغرب.
يُضاف إلى حاجة السلطة المركزية في المغرب إلى حزبٍ له سند شعبي،لإصدار قراراتٍ لا شعبية،مثل حزب العدالة و التنمية،فهي لا يمكنها تحمل تكلفة خروج مثل هذا الحزب إلى المعارضة،في ظل وجود أحزاب ضعيفة،أغلبها موال للسلطة نفسها،و تأتمر بأوامرها.و لهذا جاء اختيار الملك لشخص سعد الدين العثماني،لخلافة أمينه العام عبد الإله بنكيران،في قيادة الحكومة المقبلة.و المعروف عن العثماني أنه مرن مقبول داخل حزبه،و ليّن العريكة،سهل الانقياد بالنسبة للسلطة المركزية،ما سيجعل مهمته في تشكيل الحكومة يسيرة،لأن الأحزاب التي كانت تضع شروطا تعجيزية أمام سلفه بنكيران ستنصاع إلى أوامر السلطة المركزية،إذا أرادت هذه أن “ينجح” العثماني في مهمة تشكيل أغلبيته الحكومية.
الخاسران الكبيران من كل هذه المناورات السياسية طرفان:التجربة الديمقراطية المغربية المتعثرة التي تكشف الأيام،كل مرة،عن غياب إرادة سياسية حقيقية لتوطيدها و تطويرها.الشعب المغربي الذي يدفع فاتورة هذه الانتكاسات الديمقراطية،و ما تخلفه من عجز يتراكم عبر السنين،و يدفع فاتورته من تقدّمه و تنمية مجتمعه،و تطور بلاده.

رابط مختصر