الخميس , نوفمبر 23 2017
أخبار عاجلة
الرئيسية / مدرسة النوادر المختلطة …….بقلم عبد الجليل بيشا
loading...

مدرسة النوادر المختلطة …….بقلم عبد الجليل بيشا

unnamed

جريدة راضي نيوز

مدرسة النوادر المختلطة بقلم عبد الجليل بيشا

* إهداء: إلى أرواح مْنَيَّة أوباحي و”العمة مارية” وإبراهيم صيكا.

نكتب هذه المذكرة و الموسم الدراسي 2016/2017 على الأبواب،و نخص بها موقع الأستاذ المناضل الراضي الليلي أحد بركات “مدرسة النوادر المختلطة”،مهدين إياها إلى روح كل من إبنة الجيران مْنَيَّة أوباحي التي سنبين فيما يأتي ظروف وفاتها صيف 1985،و زوجة أبيها المَدَّاحة مارية التي سبقتنا إلى دار البقاء صيف 2014،و إبراهيم صيكا الشاب المتعلم الذي قضى ظلما في ربيع هذه السنة أثناء فترة اعتقال تعسفي حين خرج يعلي الصوت مطالبا بحقه في الشغل،و يُدفن بعدها رحمه الله دون حضور أسرته.

* مقدمة في حب الوطن:

علمنا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة و أزكي التسليم أن “حب الأوطان من الإيمان”،و إن أشهر ما قيل في حبها،بيتان لشاعر عربي يقول فيهما:

بلادٌ ألفنـاهَـــا عَلى كُل حَالـــــــــــةٍ *** و قَد يُؤلَف الشيئ الذي ليسَ بالحَسَنِ

و تُستعذَب الأرضُ التِى لاَ هَواء بها *** و لا ماؤهَـا عَـذبٌ و لكِنها وطـــــــنُ

إن مبعث حديثنا اليوم؛ألم يعتصر الفؤاد كلما زرنا “النوادر”،الحي الذي قَضَّينا فيه نحو ثلاثة عقود،و خاصة حينما نمر من أمام المدرسة الإبتدائية التي فتحنا فيها أعيننا على العالم؛و التي تم تغيير اسمها من “مدرسة النوادر المختلطة” إلى “مدرسة 3 مارس”!!

و كنا قد هممنا منذ مدة أن نكتب حول هذه الكارثة إلا أن الشواغل كانت تحول دون ذلك،و إنه غير خاف أن سنوات الطفولة حاسمة في تحديد مسار الفرد و نحت شخصيته،لذا نكتب اليوم لرد الاعتبار لتلك المعلمة التي كانت مبتدأ الجملة و خبرها،و التي تلخص حكاية حي من أحياء مدينة كَليميم (أكَلميم/كلميم)،طُمست معالمه و هويته و غيرت ديموغرافيته،و لنصل الرحم مع الأهل و الأحباب و الأصدقاء و شِلّة الطفولة و الجيران.

قد يبدو للقارئ بعد أن يفرغ من قراءة هذه المذكرة أنها ليست سوى “نوستالجيا” مزينة بالتاريخ و الشعر و السياسة،و لآخر صنف من “أدب المدينة”،و لثالث “سيرة ذاتية”،و لرابع “دراسة مونوغرافية”،و لخامس “ورقة في علم الاجتماع السياسي”،لكنها فوق ذلك كله؛صلح مع الذات و حفظ للذاكرة من الضياع و صرخة في وجه الاستبداد كي يعيد للحي هويته.

فما قصة حي النوادر؟و ما الذي يجعلنا نرفع “مدرسة النوادر المختلطة” إلى مقام الهوية؟

  1. حي النوادر… الضاحية الجنوبية لكليميم:

أ- الموضع و أصل التسمية:

تمتد النوادر في جنوب كليميم في مساحة ثلاث كيلومترات مربعة على وجه التقدير،و قد أخذ الحي اسمه من النوادر (البيادر)المكان الذي كانت ساكنة الكَصبة (القصبة) – أقدم حي في المدينة – تضع فيه في سالف الزمن محاصيلها الزراعية التي كانت تجنيها من المزارع المحيطة بالمدينة نهاية كل موسم فلاحي،قبل أن تقوم بدرسها و جمع الحبوب لاستغلالها في معاشها.

و نذكر جيدا آخر موضع كانت تقام فيه تلك البيادر مطلع الثمانينات،إنه المكان الذي يمتد فيه حاليا الحي المسمى “حي لالة مريم”،خلف الثانوية التي تحمل ذات الاسم،و التي اعتقل من أمامها الشهيد إبراهيم صيكا أسابيع قبل وفاته.و قد أدركنا ذلك حينما كان جدنا للأم رحمه الله؛يصطحبنا معه في تلك الفترة لرؤية عملية الدرس التي كانت تتم باستعمال حوافر الدواب،كما كانت بالنسبة للأقران مكانا مناسبا لنصب الشَّرك لصيد الطيور.

ب- النشأة و التطور:

ارتبطت نشأة الحي بحدث الهجرة الريفية التي ارتفعت وتيرتها بواد نون نهاية الخمسينات لأسباب اقتصادية مرتبطة بتوالي السنوات العجاف،حيث استقرت فيه عائلات انحدرت من القرى الجنوبية المحيطة بالمدينة و التي كانت من قبل مراكز استقرار قبائل تكنة بلفيها (أيت بلا و أيت الجمل)،و بالذات من عوينة أيت أوسى؛راس أومليل؛تيكليت؛أفركط؛لبيار؛البرج؛تايدالت؛ازريويلا،وعرون؛لكَصابي؛أسرير؛تغمرت،كما ضم الحي بضع أسر من قبائل الساقية الحمراء و موريتانيا.

و كان من نتائج ذلك الاستقرار أن ظلت معظم الدور القديمة تحافظ على الطابع الريفي،اعتمد في بنائها إلى حدود منتصف السبعينات على “اللوح” (الطين الممزوج بالتبن)،قبل أن يتم استعمال مواد بناء جديدة من حجارة و آجور و إسمنت.

كانت أم القضايا التي تأرق ساكنة الحي هي الماء و التطهير و الإنارة،فإلى حدود منتصف الثمانينات كانت البيوت تضاء بالوسائل التقليدية،أكثرها استعمالا كان الشمع الذي كان يوضع في “اللف” للزيادة في مستوى الإضاءة و حفظ الشموع من الانطفاء،ثم القنديل و كان أقلها استعمالا،ثم قنينة الغاز الصغيرة “بوطة لفتيلة”،قبل أن يشرع في مد الحي بأعمدة الكهرباء.بينما بقيت وسيلة الصرف الصحي الوحيدة قبل مده بشبكة التطهير في مطلع التسعينات هي “الحفرة”؛التي تتم تغطيتها بعد الحفر لتشيد فوقها “دار لوضو- بيت الما” (دورة المياه).أما الماء فكان يحفظ في براميل كبيرة و أخرى صغيرة “كَمْبورة- تنوة – بيطاكة – كَرافة” تتوزع بين المطبخ و دورة المياه،و كان أحد تلك البراميل يخصص لماء الشرب،بينما حفرت بعض العائلات “المطفية” (خزان مائي)،كان يتم ملؤها بواسطة براميل منقولة على عربات تجرها الدواب.

اجتماعيا؛توزعت الأسر بين أسر الجنود و العمال بالخارج و صغار التجار و الحرفيين،و رأينا كيف أن غالبيتها ينتمي أصلا إلى القرى الجنوبية للمدينة،لذا ظلت ساكنة النوادر تحافظ على التراث الحساني في الحديث و الملبس و المأكل و العادات المختلفة،كما ساد بينها التآلف و التعاون و التزاور،و ظل معظمها على اتصال وثيق بالقرى التي تنحدر منها.

ثلاث عوامل رئيسية جعلت الحي يشهد نزيفا ديموغرافيا خلال العقود الثلاثة الماضية،توزعت ما بين الطبيعي و السياسي و الاقتصادي،يتجلى الأول في الفيضانات الشهيرة التي ضربت المدينة نهاية 1984،و التي هدّت العديد من دُورِه،و أرغمت عديد أسرٍ على مغادرته و الاستقرار بالأحياء الشمالية التي كانت أعلى منه تضاريسيا.أما العامل السياسي – و هو الأخطر في تاريخ الحي و بقية الأحياء القديمة بكليميم – فيتعلق بعملية تهجير أعداد كبيرة من أبناء قبائل تكنة نحو مخيمات العيون و السمارة بداية من 1991،في إطار ما سمي “عملية تحديد الهوية” التي كانت الأمم المتحدة قد أشرفت عليها تمهيدا للاستفتاء الذي كان مزمعا تنظيمه كحل للنزاع بالصحراء.أما العامل الاقتصادي،فيرتبط بهجرة العديد من أبناء الحي نحو الخارج و خاصة نحو جزر الكناري بحثا عن حياة أفضل،في إطار ظاهرة “لحريكَ” التي ارتفعت وتيرتها مع مطلع القرن الحالي.

  1. المعالم الرئيسية للحي:

– “شارع ازريويلا”:

كان في الأصل المرحلة الأخيرة من طريق القوافل التجارية التي تربط كليميم بتمبوكتو قبل الاحتلال الفرنسي للسودان الغربي،و كان شارعا طويلا يخترق الحي طولا و يقسمه إلى شطرين.يبتدأ ذلك الشارع من الدير الشرقي لـ”كويرة تامْبْلُّولْت” عند الممر المؤدي إلى “التواغيل” (المزارع) التي تشكل الحد الشمالي للحي و “رحبة لغْنم” شرقا و حي الكَصبة غربا،و يتجه جنوبا ليخرق أيضا “دوار اللوح”؛الحد الجنوبي للنوادر،و قد أخذ الشارع اسمه من واحة “ازريويلا” التي تقع على بعد 25 كلم جنوب كليميم،و التي تنحدر منها العائلة.

و سنبدأ بوصف معالم الشطر الغربي من الحي عن يمين الشارع،قبل الجواز إلى معالم شطره الشرقي عن يساره،و التي تعد المدرسة أهمها على الإطلاق.

– “طريكَ أمحيرش”:

طريق يتصل بشارع ازريويلا من الأعلى و يحاذي “كويرة تامْبْلُّولْت”؛التي تعد الحد الشمالي الغربي للحي،و ينتهي عند “حمام و حاسي الزَّيْعَرْ” على حافة “واد أم العشار”؛الذي بعبوره تَمْهَدُ الطريق نحو “أمحيريش” السوق الأسبوعي للمدينة الذي عُرف قديما بـ”حد كليميم”،و الذي كان و لا يزال أكبر سوق للإبل في الصحراء.

– “جامع لكَويرة”:

مسجد صغير شيد في قمة السفح الشرقي لـ”كويرة تامْبْلُّولْت”،و تعني لفظة “لكويرة” التلة الكبيرة أو الجبل المنخفض الارتفاع،و كان ذلك السفح يشرف على المنبسط الذي أقيمت فيه النوادر،لذلك شكل هو و “النخيلات” – الحي الذي يشرف عليه جنوبا – امتدادا طبيعيا للنوادر بحكم الجغرافيا.

كان ذلك الجامع يضم كتابا صغيرا لتعليم الصبيان القرآن الكريم في ألواح خشبية مقابل أجرتين،الأولى أسبوعية غالبا ما تكون بيضة أو بضعة قروش كانت تدفع كل يوم أربعاء (لربعية)،و الثانية شهرية تسمى “الشرط”.و نذكر جيدا يوم اصطحبتنا الوالدة حفظها الله إليه و سلمتنا إلى “سي ابراهيم”؛المعلم (الطالب) الذي أشرف على ذلك الجامع لعقود و الذي كان – سامحه الله – يقسو كثيرا على الصبية،و نذكر أنها خاطبته قائلة:”أكتب لهم قولوحيَّة”.

ظللنا لسنوات نريد معرفة هذه “القولوحية”،و ذهب بنا خيالنا الصغير بعيدا حين اعتقدنا أنها امرأة من نساء الحي كانت تلبس مِلحفة شديدة السواد،لنكتشف بعدها أنما كانت تقصد أن يُحفِّظنا جزء “قل أوحي” الذي مُبتدؤه سورة الجن.

– “فران النْخيْلات”:

فرن اتخذ اسمه من اسم الحي الذي شيد فيه،و سمي كذلك لوجود بِضع نُخيلات فيه ظلت تقاوم قسوة المناخ،و كان مقاما بين الجامع الذي كان يؤم الناس فيه “سي عبد السلام” رحمه الله؛و المقبرة على ضفاف الوادي.

– “حاسي و حمام الزَّيْعَرْ”:

كان “حاسي الزَّيْعَرْ” البئر الوحيدة التي تمد الساكنة بالماء الصالح للشرب،حفر على حافة “واد أم لعشار” اليسرى على الطريق المؤدي إلى “أمحيريش”،و بجواره كان الحمام الوحيد بالحي.و قد كان موضع ذلك البئر يعج بالعربات التي تنقل الماء إلى المنازل،و كان من أشهر سائقيها شيخ طاعن في السن يدعى “آكَيَّكْ”،و الأخوان “سالم” و “عبيدات” صاحب الوجه البشوش الذي انتهى به المطاف رحمه الله مؤذنا بمسجد “النخيلات”.

– “واد أم العشار”:

واد يحيط بكليميم من الجهة الغربية،و يعتبر الحد الجنوبي الغربي للحي،و قد كان الصبية يسبحون في البرك المتبقية من مَسيله في فصل الشتاء،بينما تستغلها النسوة لغسل الملاءات و الأفرشة،و على جنباته أيضا كانت تعقد “تاوالا” (كلمة أمازيغية تحيل على التناوب في تدبير مصالح الجماعة)،حيث تسوق بعض النساء و الأطفال “لَغْنم” (الأغنام) باكرا إلى هناك في المكان المقابل لـ”ترابوبليك” (الأشغال العمومية)؛في انتظار قدوم راعٍ كان يتم التعاقد معه جماعة بواجب شهري محدد؛و الذي يسوقها بدوره جنوبا نحو المراعي المطلة على “واد صياد” قبل أن يعيدها مساء،و قد كان “العيد” رحمه الله؛الراعي الذي قام بتلك المهمة نحو عقدين من الزمن،و بوفاته و تراجع نسبة كاسبي الماعز بالحي انقرضت الظاهرة.

– “حاسي الطالب موسى”:

بئر أوقفه الشخص الذي حمل اسمه على عابري السبيل للانتفاع بمائه،تم حفره على بضع خطوات من المنزل الذي كنا نقطنه في أسفل الزقاق الرئيسي الذي يربط النوادر بـ”كويرة تامْبْلُّولْت” و “النخيلات” و قبل الاتصال بـ”زنقة لخيام”؛قبالة “تيران لخيام”،الملعب الصغير الذي كنا نلعب فيه و نلهو بشكل شبه يومي،و الذي تعاون أبناء الجيران على تهيئته ليكون صالحا للعب في الطرف الجنوبي من المكان الذي كان يحتضن من قبل عدة خيام.و قد كانت الساكنة تستغل ماء ذلك البئر في أشغال النظافة كونه لم يكن صالحا للشرب لملوحة تعتريه،و قد تم الآن سد مدخله بعد أن صار مطرح أزبال،على الرغم من أن بلدية المدينة قادرة على تحويله إلى “سقاية” تنتفع بها الساكنة.

– “حَوْشْ لَخْدم”

يقصد بالحوش الفناء المسور،و كان “حوش لخدم” محاطا بسور طيني قصير بالكاد يخفي بضع خيمٍ صنع بعضها من شعر الماعز (خيمة الشعر)؛و أخرى من الرقاع (خيمة الشراويط)،آوت بضعة أسر تشكلت من آخر العبيد و الإماء المحررين؛البقية الباقية من “خدم أهل دحمان”،قبل أن يساكنهم فيه أناس آخرون من ضعاف القوم.

كانت بعض النسوة في ذلك “الحوش” آخر سرب من مَدَّاحات رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة،نذكر من بينهم بريرة و أم السعد و أم ترزق و مارية التي كانت آخر الراحلات منتصف غشت 2014،كن رحمهن الله يتجمعن في كل ليلة جمعة ليحتفلن بالرسول الأكرم بطريقتهن الخاصة؛ينشدن بصوت عال على أنغام الطبل و “الكَصبة” (الناي).

– “جردة البيضاوي”:

كانت ضيعة صغيرة في ملك أحد الأشخاص المنحدرين من الدار البيضاء،كان استقر مبكرا في بالنوادر،أقامها في الضفة اليسرى للوادي،و قد كانت في وقت سابق منتهى العمران بالحي قبل الوصول إلى “دوار اللوح”.

– “تيران علي لكحل” و “تيران الماكينة”:

كان هذان الملعبان المتنفس الرئيسي لشباب الحي و خاصة شباب شطره الغربي،و فيهما كانت تنظم مقابلات في كرة القدم بين فرق الحي عامة،و قد حمل “تيران علي الأكحل” اسم شاب أسود البشرة كان وراء مبادرة تشييده في الضفة الجنوبية للواد قبالة حي “النخيلات” الذي كان يقطنه فيما نذكر.أما الملعب الثاني المسمى “تيران الماكينة”؛فشيد إلى يسار الملعب الأول في الموضع الذي كانت مصلحة الأشغال العمومية تضع فيه الآلات التي كانت تستخدمها في توسعة مجرى الوادي و إقامة مصدات محاطة بأسلاك سميكة في قعره لتكسير اندفاع المياه في فترة فيضانه.

أما معالم الشطر الشرقي فقليلة لا تتعدى الأربعة معالم،هي على التوالي:

– “الروضة”:

أو مقبرة النوادر؛المقبرة الرئيسية بالمدينة يومئذ،كانت مسورة بسور طيني قبل أن يرمم بعد أن جرفت فيضانات 1984 عدة قبور من داخلها،و قد أقيمت في أقصى الطرف الشمالي الشرقي لـ”شارع ازريويلا”،و أمامها يمر اليوم شارع سمي حديثا باسم العلامة “المختار السوسي”؛و الذي ينعرج شرقا باتجاه “الدْوَيْوِير” و “حي الفلاحة”،ليخترق بذلك الشطر الشرقي من النوادر و يقسمه شطرين،قسم شمالي يتشكل من المقبرة و المساكن المجاورة بالإضافة إلى المدرسة،و يعد الحد الفاصل بين الحي و “التواغيل”،و قسم جنوبي هو الذي سمي “حي لالة مريم”.

– “فران أولاد بوعشرة”:

حمل ذلك الفرن اسم إحدى قبائل تكنة التي ينتمي إليها مالكه،الذي نذكر جيدا يوم وفاته رحمه الله؛و الذي صادف يوم الخميس فاتح رمضان من سنة 1406/1986،إثر حادث عرضي لما كان يَهِم بمساعدة شاحنة تنقل صهريج ماء نحو داره المجاورة للفرن الذي شيده بالجهة اليسرى لشارع “ازريويلا” قبالة الزقاق المؤدي إلى الوادي.

و كان بعض الساكنة يلجأ أيضا إلى خدمة فرن آخر خارج الحي هو “فران البوهي”،الذي يوجد في المدخل الجنوبي لحي “لكَصبة”.

– “تيران حَيْداس”:

ملعب حمل اسم عائلة أصيلة في حي الكَصبة،قد يكون أحد أبنائها بادر بتشييده بجوار المكان الذي سبق أن أشرنا إليه و الذي أقيمت فيه “النوادر” لآخر مرة بالحي،و في ذلك الملعب كانت تنظم مقابلات بين فرق من شطريه من جهة؛و بين فرق منهما و فرقة التواغيل و غيرها.

– “مدرسة النوادر المختلطة”:

هي التي حولها اليوم ندندن،و التي سنخصها بالفقرة الثالثة و الأخيرة من هذه المذكرة.

  1. مدرسة النوادر المختلطة… مدرسة و هوية:

أ- في الطريق إلى المدرسة:

غادرنا “جامع لكَويرة” و صوت السياط و صراخ الصبية يستجدون الرحمة يصم الآذان،غادرنا دون أن نحفظ سورة الجن كما كانت تأمل الوالدة،و لم يبق عالقا من تلك المرحلة سوى آيات مما تيسر حفظه،و نشيدٍ كنا نردده جماعة من حين لآخر،اكتشفنا متأخرين أنه بيتان من منظومة ابن عاشر يختصران أركان الإسلام هما:

قَواعِدُ الإسلامِ خَمْسُ وَاجِباتْ *** وَهْيَ الشَّهادَتانِ شَرْطُ البـــــاقِياتْ

ثُمَّ الصَّلاةُ والزَّكاةُ في القِطاعْ *** وَالصَّوْمُ والحَجُّ على مَنِ اسْتَطاعْ

في الجامع أيضا؛بدأ السؤال الوجودي “من هو الله؟”،و كان أول ما جاد به الخيال أنه الشخص الذي يظهر في صورة بإحدى صفحات كتاب مدرسي كانت الأيدي تتقاذفه بالبيت،كانت تلك الصورة لرجل صارم الملامح يلبس لباسا مخالفا لسكان الحي؛و أكثر ما كان يشد النظر إليها هي “لكرافاطة” (ربطة العنق)،و قد تبين لنا مع مرور الوقت أن ذلك الرجل الذي كنا نعتقد أنه قادم من الفضاء لم يكن سوى الملك الراحل الحسن الثاني!.

كانت المدرسة التي يلجها كل أطفال الأحياء الجنوبية لكليميم هي “مدرسة عبد الله بن ياسين”،أقدم مدرسة بالمدينة، شيدت في السنوات الأخيرة من الاحتلال الفرنسي لها قبالة المستشفى الوحيد في الشمال الشرقي للنوادر،و في تلك المدرسة بدأنا مشوار التعلم،أمضينا فيها موسمين دراسيين (التحضيري و الابتدائي الأول)،كان مما علق بالذاكرة خلالهما أسماء بعض العاملين بها و خاصة المدير “فوزي”؛معلم قسم التحضيري “إبراهيم”؛و معلم ساديٍّ لم نشأ ذكره كانت بعض الأمهات يخوفن به أبناءهن،و “مسيو جورج” آخر مدرس فرنسي بالمدينة،و ما كان من أجواء الدراسة و خاصة نظام التفويج (“أصحاب السبعة و أصحاب العشرة”)،وقفات تحية العلم اليومية صباح مساء؛عبارة “اليد على الكتف”؛طاولات المحبرة؛الريشة و المنشفة؛التلاوة (الإنتقال من “إقرأ” إلى “قراءتي”)؛مَحافظ “الدَّنْكَري”؛وجبات “المطعم” اللذيذة؛أول فيلم سينمائي (السينما الجوالة)؛موكب الأمهات الغاديات و الرائحات مع صغارهن نحو المدرسة.

ب- “المدرسة الجديدة” في موسمها الأول: 

في مبتدأ الموسم الدراسي 1982/1983،و بعد مرور نحو شهرين من الدراسة،طاف المدير على الأقسام و أخذ ينادي في كل قسم على مجموعة من المتعلمين و يطلب منهم جمع أدواتهم و الخروج نحو الساحة.

كنا ممن تمت المناداة عليهم،و حين خرجنا وجدنا أعدادا كبيرة من زملائنا مجتمعين وسطها و هم ذهول مما يجري،و ما هي إلا لحظات حتى جاء المدير من جديد رفقة بعض المعلمين،و أخبرنا أنه سيتم نقلنا إلى مدرسة جديدة قريبة من ديارنا.

غبطة عارمة علت محيا الصبية،خاصة أولائك الذين يدرسون عند ذلك المعلم السادي… لقد جاء الفرج!.

تم تنظيمنا في صفوف متراصة حسب مستوياتنا الدراسية،و وقف معلم أمام كل مستوى و خرج الجميع في طابور طويل سار على شاكلة الفرق العسكرية في الأزقة المنعرجة التي اعتدنا سلوكها من قبلُ ذهابا و جيئة كل يوم نحو “ابن ياسين”،ثم التف يسارا حول سور قصير أحمر اللون حديث البناء،لقد كان سور “المدرسة الجديدة”.

عند الاقتراب من المدرسة و قبل الولوج من بابها،علت نظراتنا إلى إطار أبيض يعلوه،كتب فيه بخط عريض أسود “مدرسة النوادر المختلطة”،و إلى وسط الساحة الجرداء و الفسيحة سار الطابور ليعاد تنظيمه من جديد في أربعة صفوف متراصة أمام أربع حجر دراسية حمراء مقببة يعلوها القرميد الأخضر كانت متناظرة مع باب المدرسة،ثم أُمر كل صف بعدها بالتوجه إلى إحداها.

ساقنا المعلم “خروف” أحد أبناء المدينة،إلى القسم الثالث من اليمين و فيه أمضينا الموسم الأول،كان المكان نظيفا و باعثا على الراحة،وحدها الجدران كانت أقل سماكة مما تعودنا في “ابن ياسين”!.

ت- الجراري… المدير الأيقونة:

في الموسم الموالي بنيت في الجهة اليمنى من المدرسة عمارة من طابقين إلى يسار الحجرات الأربع،كان المعلمون السبعة الأوائل بالمدرسة يجلسون على كراسيهم أمام أحد الأقسام بها وقت الاستراحة،نذكر من بينهم معلمو اللغة العربية العثماني الذي كان يقطن بالقرب من المدرسة؛خروف؛المُرابِط،و معلمو اللغة الفرنسية الشابي المعلمة الوحيدة يومها؛الكفيفي؛جمالي،بيغرداين،و إلى اليسار من باب المدرسة شيدت بناية ضمت الإدارة و منزل المدير “الجراري”.

بحزم و صرامة متناهيتين فرض بهما هيبته على الجميع تلامذة و مدرسين و أولياء أمور،أدار “الجراري” المدرسة نحو عقد من الزمن.في كل صباح يقف عند الباب يتفرس الوجوه و هو ينفث دخان السجائر التي ما كان ينهي واحدة حتى يشعل الثانية،كثير الصراخ لا يتردد في أن يصفع أو و يركل كل من أثار بلبلة في الساحة،و لا يجد غضاضة أيضا في توبيخ أُمٍّ جاءت تتشفع في إبن تأخر.

اعتاد في كل موسم إذا اقترب موعد “إمتحان الشهادة” أن يقدم حصص دعم في مادتي الشكل والإعراب،حيث ينتقي بنفسه من ساحة المدرسة  في نهاية اليوم الدراسي مجموعة من التلامذة المقبلين على اجتياز الامتحان،فيأخذهم إلى أحد الأقسام لتبدأ الحصة.يقوم أولا بكتابة قطعة (نص) في السبورة و يقف بجوارها و بيده “تَيُّو” (سوط)،ثم يشرع في المناداة على الحاضرين واحدا واحدا،يطلب من بعضهم شكل النص و من البعض الآخر إعراب جمله،و كان على من أخطأ ألا يتوقع المكان الذي سيهوي فيه السوط على جسده،أما من أخطأ أكثر من مرتين فكان حظه “الشْبِيح” و هي عملية كان يبدأها بعبارته الشهيرة “أَرَ ربعة صحاح” (هاتوا أربعة أقوياء)،ينادي خلالها على أربعة من أكبر الحاضرين سنا يقوم كل واحد بأخذ “الضحية” من أحد أطرافه و يرفعونه ووجهه إلى الأرض ليبدأ في جلده.

إلا أنه و الحق يقال؛رغم كل ما تقدم سنظل نذكر فضل الرجل علينا في تحسين مستوانا في اللغة العربية.

ث- النظام العسكري… و الإستعراض القاتل:

في سنوات الدراسة الأولى كانت المدرسة أشبه بثكنة عسكرية،أريد لها أن تؤدي وظيفة تتماشى و واقع الحرب في الصحراء التي كانت على أشدها طيلة الفترة التي قضيناها هناك،حيث يبدأ اليوم الدراسي بتحية العلم و ترديد النشيد الوطني وسط الساحة،و علينا قبل ذلك الاستجابة و بسرعة لنداء “اليد على الكتف”،و بعدها يتم اقتيادنا بنفس الوضع في صف متراص نحو الأقسام.

داخل الفصل؛كان الغالب الأعم من الأناشيد التي نُلقن إياها تدور حول حب الوطن و الملك،نذكر من بينها “قسم المسيرة” الذي كان مكتوبا على جدار البناية الجديدة،و “صوت الحسن ينادي”؛و “أي جند يعبرون الصحاري و الرمال”… كان الهدف من كل ذلك هو إعدادنا للاستعراضات التي كانت تنظم في الساحة الكبرى بالمدينة في كل المناسبات السنوية و خاصة في “ذكرى المسيرة” و “عيد العرش”؛في حضور عامل الإقليم “أكَوداد”؛الشخصية العسكرية التي بصمت اسمها في تاريخ كَليميم،حيث كنا نخرج من المدرسة في صفوف متراصة في طابور طويل يتقدمنا معلمونا،حاملين الأعلام و صور الملك،فنمشي مسافة طويلة إلى أن نصل إلى ساحة الاستعراض وسط المدينة (ساحة بئر أنزران).

كان الاستعراض عقابا جماعيا لنا نحن الصبية،كنا نشعر بالجوع و العطش و نظل نتلوى من شدتهما حتى يمر دورنا،و كان أسوء تلك الاستعراضات على الإطلاق و الذي حُفر في ذاكرتنا عميقا،يوم أخرجونا لاستقبال الملك الحسن الثاني أثناء زيارته للمدينة مبتدأ صيف 1985،طلبوا منا الحضور باكرا،رصوا صفوفنا و أمدونا بالصور و الأعلام،كان يوما قائظا و “الشركَية” (الرياح الشرقية) تملأ الآفاق و تخنق الأنفاس،تجشمنا عناء ذلك اليوم الطويل و القاسي،تأخر مرور الموكب الملكي لساعات،كنا نستريح من الوقوف الطويل وكلما قيل لنا أن الموكب قد اقترب كنا ننهض مسرعين لنعيد رص الصفوف و نهتف بحياة الملك،ثم نتعب؛فنجلس؛ثم ننهض…

كنا نترقب مرور الموكب لنرى ذلك الرجل الذي اعتقدنا أيام “جامع لكَويرة” أنه هو الله،رأينا الموكب يقترب،حجب الكبار عنا الرؤية،قفزنا لنراه،أعدنا القفزة الأولى فالثانية،لكن الموكب كان قد مر!

بخطى متثاقلة أخذنا طريق العودة إلى الديار،لم تعد أرجلنا تقوى على حمل أجسادنا المنهكة،كان بعضنا يتكأ على البعض إلى أن وصلنا… آهٍ يا له من يوم!

شعرت مْنَيَّة بنت الجيران عند العودة برعشة حمى شديدة لازمت بعدها الفراش،كانت قد تلقت ضربة شمس قاسية،جربت والدتها كل الوصفات التي قدمتها لها الجارات اللواتي إكتشفت إحداهن أن الصبية تحمل علامات الإصابة بـ”لْمَكلْفَة” (الحمى التيفية).

بعد أيام؛و في الوقت الذي كان فيه الملك يكمل “رحلة النصر” في الصحراء كما كان يغني الثنائي عبد الوهاب الدكالي و نعيمة سميح،كان المرض قد اشتد على مْنَيَّة،لترحل هي الأخرى رحلتها الأخيرة.

ج- 3 مارس… إنقلاب على الهوية:

رحلت مْنَيَّة قبل أن تجتاز امتحان “الشهادة”،و بعد أسابيع كنا قد غادرنا المدرسة على وقع تلك الفاجعة.

بعد أعوام من الحرب في الصحراء،و في نهاية 1989؛تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية أممية،و بدأ كما أسلفنا الإعداد للاستفتاء،فهُجّر العشرات من ساكنة الحي إلى مخيمات العيون و السمارة أواخر 1991،و بالتزامن مع ذلك جرى تغيير إسم المدرسة بـ “مدرسة 3 مارس”،التي تؤرخ لذكرى تولي الحسن الثاني العرش.

أثار الحدث يومها الكثير من الاستهجان؛لكن لا أحد كان يجرؤ على فعل شيئ.

مضى الآن ربع قرن على ذلك الإنقلاب الذي حرم النوادر من مدرسته المَعْلمة،و مهما صار فلن يستطيع المستبدون طمس الهوية و سرقة الذاكرة،حتى و إن كتبوا “3 مارس” بلون الذهب،لأن لفظة “النوادر” ستظل تختزل كل معاني الحياة الجميلة داخله،خبز الأم و عرق الوالد،مذراة الجد و رحى الجدة؛مقلاع العم و ناي الخال؛صفير القُبَّرة و شَرَكُ الصبية؛فرن الحارة و عنزة الجارة،ريح التربة ونسيم الأقحوان.

ح- “مشات الناكَة و مشى شمالها”… فاحذروا!

عهدنا “العمة مارية” – التي كانت زوج أب مْنَيَّة – رحمها الله عفيفة عزيزة النفس،و قد رحلت وحيدة صابرة محتسبة، وقبل أن تغادرنا إلى دار البقاء،علقت في حوار مصور مع أحد شباب المدينة؛على الوضع المأساوي الذي انتهت إليه،بجملة تهكمية ملؤها الحسرة و الغبن،وصفت من خلالها حالها الذي يعكس في العمق حال النوادر بأكمله بعبارة:”مشات الناكَة و مشى شمالها”،و هو مثل بيِّن المعنى يضرب للدلالة على تبدل الحال و التحسر على زواله،ماتت و هي تنظر إلى جرافة تهد أسوار “الحوش” الذي كان يأويها و جاراتها،ليقام على أطرافه مسبح الحي.

جميل أن يسبح أطفالنا في مسبح نظيف خال من “الزْغْلَان” (فراخ الضفادع) و “لَعْلَكَ” (العلق) كما كان حال البرك التي كنا نسبح فيها في “واد أم العشار”،لكن الأجمل هو أن نُذكرهم أن ذلك المسبح بني على أنقاض “حوش لخدم”،و أن بابه يطل على “شارع ازريويلا” … وأن تلك المقبرة… و أن ذلك الكُتاب… و أن ذلك الفرن… و أن ذلك البئر… و أن ذلك الملعب… و أن تلك المدرسة هي النوادر كلها؛الأرض و الإنسان و التاريخ.

فليكتبوا على جدرانها أبيات الشاعر الفلسطيني الثائر طلعت سفر:

على جدران مدرستي

رسمْتُ طريقيَ الدامي

و علَّقْتُ المنى قدراً

على أبواب أيامي

سأركض خلف أحلامي

ويركض خلفيَ القدر

أنا المهزوم في أمسي

و لكني سأنتصرُ

 

loading...

5 تعليقات

  1. فكرة رائعة وثق من خلالها الأستاذ بيشا بأسلوب رائع لأحداث ومعالم شهدها سكان حي النوادر أحد أهم أحياء مدينو كلميم باب الصحراء

  2. أبدعت في جعل حي النوادر يتنفس تاريخا … بوركت صديقي الفاضل .

  3. قرأتها و الدموع تنسكب على خدي مع استرجاع للذاكرة ,شكرا على التذكير,

  4. مقال جميل يسافر بك في الزمان والمكان. قرأته بطعم الدموع ورائحة التراب. دموع الحنين إلى الزمن: زمن البساطة والتلقائية التي رحلت عن زمننا المعقد المقنع، ورائحة المكان: مكان رغم صعوبته يعبق برائحة الوالدين المكافحين والأسرة التي باعدت بينها إكراهات العيش الحديث. ولكن المقال في نظري أعمق من مجرد حنين إلى الديار وبالتالي لايعني أبناء حي النوادر وحدهم بل هو دعوة للحفاظ على الجذور وصرخة ضد سياسة محو الهوية والإجتثاث بشكل عام؛ كما أن المقال ذو قيمة أدبية رفيعة إذ مزج بين اللغوي والبلاغي والسردي الوصفي بشكل موفق إلى حد كبير. دام قلمك سيالا بكل الجمال.

  5. مقال مزلزل سلمك الله من كل سوء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *